13أكتوبر

شام

من أعجب ما قرأت هذا الديوان للشاعر المرحوم نصري حجاج.

ديوان كامل عن ابنته (شام) بل أقول إنه فيلم ثلاثي الأبعاد، لأني شعرت أني في البيت معهم أرى وأشاهد وأسمع النكات والضحكات بين شام وعبير ونصري، ولا غرابة في ذلك لأن نصري شاعر ومخرج سينمائي.

إنها من اللحظات القليلة التي أبكي فيها بعد قراءة كتاب ما، نعم اتأثر لكن أنا أبكي، نصري هو الوحيد الذي استطاع أن يسرق دمعتي صباحا يوم الجمعة، في يوم إجازتي.

لا أعرف كيف اقرأ هذا الديوان، أو كيف أنقله لكم؛ لكني سأحاول نقل الدهشة كما تخيلتها في عقلي.

ستكون قراءة طويلة جدا؛ لأني لا أستطيع بتر النصوص، ولا الإبقاء على القارئ المتململ، ستكون رحلة طويلة بالقطار لنرى حقول الياسمين من شعر نصري.

غلاف الديوان

نصري شاعر حقيقي؛ لأنه يقول الذي لا يستطيع قوله الإنسان العادي:
قلت لها: أريد طفلة منك.
فقالت: وأنا أريد طفلة منك.
فسألتها: من سيحمل بها؟
فأجابت: نحملها معا.
وهكذا كانت شام أول طفلة في هذا العصر السوري، يحمل بها أبوها وأمها معا.

إن نصري إنسان حقيقي، ورجل حقيقي لأنه كامل الإنسانية ويحلم أحلام إنسانية:
لو كان باستطاعتي
أو كان باستطاعة العلم
أو حتى الله
أن ينقل الجنين الذي في رحمك
إلى ما يشبه الرحم في جسدي
لكنت أرحتك من الحمل
ولحملته عنك بكل الحب
ولمشيتُ كما تمشين الآن
فخورة ومزهوة
ببطن مشرئبة إلى الأمام
ومؤخرة واثقة من استدارتها
تتأرج ذات اليمين وذات اليسار
على الأقل في هذه الشهور الأخيرة
عندما زاد انتفاخ بطنك
وتضخّمت مؤخرتك الجميلة
لو كان باستطاعتي
منذ البدء أن أحبل منكِ
بدلا منك
لكنت فخورا بين الرجال
والنساء ربما
كي يظل باستطاعتي
أن أطلب منك قهوة الصباح
لأني أحب قهوة يديك
ولأنني أشعر بالوحدة لأنك
توقفت عن شرب القهوة معي
كما كنا نفعل قبل أن تحبلي

إنه شاعر يكمل حلمه الجميل الذي لم يتحقق:
بعد دقائق سندخل، عبير وأنا، في الشهر التاسع من حملنا بشام رُوحينا.

كما كل الأطفال الذي يتحدثون لغة مخترعة ولكن الأب يفهم هذه اللغة المخترعة:
وأنتِ تتفحصين وجهي
وتلتفين ساخرة نحوي
نحو سذاجتي
حين أدّعي
التحدث بلغتك
التي لا يعرفها أحد سواك.

إنه يعيد تعريف الله لابنته:
يا طفلتي سأحميكِ من يأس البحث عن وطن وعن جنة كالتي
تسيل دماء الأبرياء من أجلها. وكلما شعرتِ بحاجة إلى الله انظري
إلى قلبي وقلب أمك، ولا تلتفي يمينا أو يسارا.

شام ابنة ذكية ولديها تساؤلات أذكى منها:
تسألني شام:
هل ستكبر معي
أم تنتظري إلى أن أكبر
يا أبي؟
فأقول لها:
تكبرين يوما
فأصغر يوما
فأصغر عاما
إلى أن أستعيد طفولتي
فنكبر معا
ونعد الأزهار
زهرة زهرة
ونفهم لغة اليمام
ونحكي اللغة نفسا

وتستمر أسئلتها الوجودية:
تسألني شام:
منذ متى وأنت أبي؟
فأقول لها:
مذ كنت رضيعا على
صدر جدتكِ

وهناك أسئلة، جمالها في عدم الإجابة عليها:
تسألني شام:
هل ستكون معي
حين أعبر النهر إلى
ضفته
وضفتي
يا أبي؟

وأسئلة لا مفر من الإجابة عليها:
تسألني شام:
كيف جئتما بي
يا أبي؟
فأقول لها:
زرعناك بين الشراشف
يدا بيد
وقبلة بقبلة
وهمسة بهمسة

إن نصري طفل كبير:
تسألني شام:
هل أنت أمي
أم أبي؟
فأقول لها:
أنا طفلك المدلل

إنها طفلة ذكية وفيلسوفة التي تسأل هذه الأسئلة:
تسألني شام:
ما الفرق بين الحدائق في البلاد التي زرتها
والحدائق في بلادنا،
يا أبي؟
فأقول لها:
الحدائق في بلادنا
مقابر لمن يطلبون الحرية والرغيف
والحدائق في بلادهم
ملاعب للأطفال والأزهار والطيور.

إنه شاعر عائلي بامتياز:
كان من الممكن أن أموت في الحرب
لكن عبير وشام
كانتا في انتظاري
على بعد أربعين عاما
من الرصاص

حينما سألته شام عن النكبة قال:
ولسوف تدركين أن النكبة
ليست مكانا واحدا
وليست يوما واحدا
لكنها زمنٌ ينمو
ويكبر كل يوم
ولا تشيخ
يا بابا

وحينما سألته عن المخيم قال:
المخيم وطنٌ أحيانا
حين يكون المنفى
جرح الروح
وأحيانا أخرى
ظل هوية
هش
وتائه في الزمان
وفي المكان
وينتظر عُودو الذي لا يأتي

كيف تسأل شاعر ما دوره في الحرب؟:
يلزمني وقت طويل على ما أظن
كي أدرك جيدا
ما هو دوري في هذه الحرب.
أعني غير أنني فلسطيني الهوية
وأعيش لاجئا في لبنان
ولدي طفلة لم تبلغ العام من العمر
أسميناها شام
ليس لأنه أمها سورية
بل لأن الشام الواسعة كقلب أم
بلادنا
يلزمني وقت طويل كي أدرك
أن هذه الحرب
التي أعيشها وأنا بعيد عنها
جعلتني مذعورا
لأن شام لا تدرك
أنها حرب
تأخذ الأطفال الذي
كانوا من الممكن
أن يكونوا رفاقها في
اللعب على الشاطئ الفقير
لو ذهبنا معا إلى غزة
وسألتني:
أين ذهب الأطفال
يا بابا؟

البراعة في شام أنها كثيرة الأسئلة:
تسألني شام:
اِحكِ لي عن المطر
هل كانت السماء تمطر
في طفولتك، يا أبي؟

طبعا كلنا نحب المطر إلا نصري، لماذا؟:
لقد كنت أكره المطر
ولكني زعمتُ أني أحبه
لضرورات الشعر
وإغواء الصبايا
الحالمات
فقد كان يخيفني
حين يعدو كخيول جامحة
على سقف الزينك الهزيل
أو حين يتسلل إلى فراشنا
أو تهبط قطراته الصاخبة
حين يهدأ قليلا
إلى طناجر الألومينيوم
التي عرفنا فيما بعد
أنها البنية التحتية
في المخيمات.
لم يكن المطر يذكرني
لا برائحة الخصوبة
ولا البلاد البعيدة
فأنا لم أعرف البلاد البعيدة
وها أنا اليوم لا أرى فائدة للمطر

إنه يحب ابنته كما لم يحبها أحد من قبل، ولا أحد من بعد أعتقد:
كلما نطقت شام حرفا جديدا
تفتّحت حدائق في قلبي
ورأيت الله
جالسا على شرفة

كل الشعراء لهم محبوبات خفية، إلا نصري محبوباته في غرفة نومه:
يبدأ الصباح بضحكة لعبير
لشام الضاحكة
فأستيقظ بضحكتين
وأضحك حتى تنقلب
غرفة نومنا
إلى غرفة للضحك
تنافس في بهائها
عش اليمام الضاحك
على شباك غرفة نومنا
ويبدأ يومنا..هكذا

الشاعر الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون طفلا حقيقيا من أجل أن يكتب شعرا محلّقا:
في الحديقة
تتأرجح شام بجناحي فراشة
وتطير في فضاء الحديقة
وتريديني أن أطير معها
حين تعلو بعيدا:
تنادي:
بابا..طر
يا بابا
كن فراشة مثلي!
فطرتُ
وعلوتُ مثلها
وصرت خفيفا
من العمر
كأنني ولدت فراشة للتو
كأن شام أمي.

إنه لا يكتفي بأن يكون حارسها في الواقع، بل ذهب إلى أحلامها:
أنظر إليها وهي نائمة وأقول لها:
سأكون شجرة ضاحكة في حلمك.

إنه يربيّها على أن تكون الأصل لا الفرع، وهكذا الأب الأصيل يفعل دائما:
سألتها: هل تحبين الصدى أم الصوت يا بابا؟
فأجابت:
أنا أحب الصوت.
شام تحب أن تكون صوتا.

مشكلة اللاجئ أن قلبه وجسده ومشاعره موزعه على الأوطان التي مكث فيها:
في الترامواي أتأمل المسافرين
والمقاعد الفارغة
ثم انظر من الشباك
وأقول لنفسي ماذا أفعل هنا؟
لا أشعر بالحنين إلى مكان،
لا إلى لبنان، حيث مسقطي
ولا إلى فلسطين
حيث مسقط أبي
ولا إلى تونس، حيث عشت عشرين عاما
ولا إلى لندن، حيث يعيش ابني
لا اشعر بالحنين إلى مطرح
ولا إلى ماضٍ
كل ما أفكر فيه
هو أن الترامواي سيأخذني إلى الحضانة بعد دقائق
لأصطحبك إلى بيتك الآمن
يا ابنتي.

إنها تعلّمه أن الواقع أجمل من الأوهام:
رسمت شام وردة
فقلت لها: يا سلام، يا بابا هذه أجمل وردة!
فقالت: لا، يا بابا
الوردة الأجمل في الحديقة.

هناك اختلاف بين أدوار العائلة:
تناديني: بابا
وأناديها: بابا
وتنادي عبير: ماما
وتناديها عبير: ماما
هي أبونا وأمنا
طفلتنا الصغيرة

ثم تسأله:
هل أنت أبي أم أمي؟
فأقول لها:
أنا أبوك مرة
وطفلك مرة
وأمك في كل وقت
فاحفظي حدائق اللون
في عينيها
ولا تنسي ابتسامة قلبي
التي حملتك
إلى الحياة،
يا بابا

الطفلة الصغيرة هي أم منذ الصغر:
تستيقظ شام وتنظر إليّ وأنا أتابع الأخبار
فتقول:
لا تحزن، يا أبي
سيكون كل شيء على ما يرام
كأنها أمي

البنت هي كون من الرحمة:
وشام تنظر إلى يديَّ
وتمسك أصابعي إصبعا إصبعا
تذكّرتني صغيرا
كم كان يحلو لي أن ألمس يدي أبي
وأنا أنظر إلى الوشم على ظاهر كفه
كانت أصابعه
بلادا أتمسّك بها كي لا أضيع
أقسم أن أصابعه
كانت خارطة لبلادٍ بعيدة

إن الكون يحب شام أيضا كما يحبها هو:
كلما قالت شام إنها تريد الذهاب إلى الحديقة لتلعب، تخرج
الشمس من أجلها

أصيب -رحمه الله-بالسرطان في آخر حياته، وكان يتعالج كما العرب قديما بتربة الوطن وأكل الوطن:
كنت عندما يشتد وجعي، أستنجد بالخبيزة والعكوب والملوخية،
وأحلم بفراش مغطّى بوريقات زعتر وميرمية، وكنت أسمح لوحول المخيم
أن تزورني؛ لأصنع منها دمى، أتركها تجف، لنلعب بها، شام وأنا، ونعطي
لكل دمية اسما نختاره من أحلامنا معا.
هذا هو العلاج الذي تفوّقت معه على الكيماوي.

أصعب سؤال ما هو الوطن؟:
تسألني شام:
ما أسهل الأسئلة
وأصعبها في الجواب،
يا أبي؟
فأقول لها:
سؤالك:
ما هو الوطن؟
يا بابا.

شام تريد أن تذهب إلى البحر يوم النكبة:
ماذا تريدين أن نفعل في يوم النكبة، يا بابا؟
فقالت:
أريد أن أذهب إلى البحر
ولم إلى البحر، يا بابا؟
فقالت:
لأسأله أين البر، يا بحر؟
ألستَ البحر؟!
أين برك؟
وأين بري، يا بحر؟

ماذا تظنون وظيفة شاعر له بنت يحبها؟:
تسألني شام:
ما هي وظيفتك يا أبي؟
فأقول لها:
أن أنظّف صندلكِ من الرمل في الحديقة
وأمسح بيديّ قدميك الصغيرتين،
ثم أبوس الواوا من أثر بحصة شريرة في باطن قدمك اليمنى،
أنا قاهر الواوا
يا بابا
هذه هي وظيفتي إلى أن يصير لكِ جناحان
فأخرج إلى التقاعد
لأتأمل حياتك السعيدة

حينما سألته شام: هل رأيت الله في البلاد البعيدة التي زرتها:
رأيته
وكان يكلمني
دائما
وكان يضحك
لأول مرة
يضحك الله لي
ولم أكن نبيا
ولا رسولا
فلم أكن غير
أب بسيط لك،
يا بابا

وفي النهاية انطفأ سراج البيت، وأظلمت “فيينا” ونُكّست أعلام الشعر إلى الأبد:
أدرسي، يا صغيرتي، فأبوك سوف ينام
وأمك سوف تحرسك وتحرس نوم أبيك، وأنا، يا حبيبتي، لا أدري
متى سأعود لتلك الحراسة المحببة.

رحل نصري حجاج في سبتمبر 2021 وأحرقت جثته بناء على طلبه، وبقينا نحن نتأمل شعره وحبه لشام وعبير.

بكيت كثيرا، وأُحرق قلبي كما جثته تماما.

هذا هو الشعر العالمي الذي يرفض الإقليمية، ويطير نحو الآفاق ليسجل إبداعا إنسويا يتعلق بالإنسانية ولا يعود إلى قُطْر معين، أو مكان جغرافي محدد.

الديوان من القطع المتوسط يقع في 136 صفحة، من إصدارات دار المتوسط الصادر عام 2022.

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *