7مايو

ذاكرة الحكائين

كتاب ذاكرة الحكائين لأمير تاج السر.

أمير تاج السر روائي سوداني.

لطالما أحببت أن اقرأ مقالات الروائيين الكبار لعلمي بأن الروائيين -الحقيقين- هم كتّاب مقالات بالضرورة، ولم يخب ظني أبدا في أي كتاب مقالات لأي روائي عظيم، ولا أدل على ذلك من هذا الكتاب تحديدا.

ما يعجبني في مقالات أمير تاج السر، هي اللغة الجميلة البسيطة الخالية من التعقيد، والمرتفعة عن السوقي المحكي؛ بل وسط بينهما، وهذه هي البلاغة.

أشعر أنه يكتب لأنه يحب الكتابة؛ لا لأنه مفروض عليه أن يكتب، وذكر هو ذلك النوع المتكلف في الكتابة وسمّاه (الكتابة القصدية) أي أن الكاتب يستقصد أن يكتب هذا الشيء؛ ولذلك تظهر قصديته في الكتابة مما يجعلها كتابة باردة.

كانت أول قراءة لمقالة لأمير تاج السر هي مقالة له بعنوان (أفكار للبيع) كنت قرأتها في أحد كتب المقالات والذي اشتمل على عدة مقالات لعدد من الأدباء والمفكرين من العالم العربي.

أحببت تلك المقالة، وأحببت صاحبها، وودت لو استزيد من معين مقالات السر وأميره، وهذا ما كان في (ذاكرة الحكائين).

كتاب ذاكرة الحكائين

في ذاكرة الحكائين، يتحدث “الأمير” عن المطبخ، المطبخ الكتابي والروائي والقرائي، يتحدث حديث العاشق المتيم والمعاني أيضا؛ فهو يتحدث من داخل العملية الإبداعية كونه كاتبا فاعلا ويعرف أسرار “الطبخة” الكتابية.

لأنه يتحدث من الداخل فهو يعرف الهموم الحقيقية للقارئ العربي والمشهد الثقافي، ولذلك هو يذكر مثلا قضية الوكيل الأدبي ومدى أهميتها على حركة النشر، وكذلك المحرر (وليس المدقق)، وكذلك السينما وأهمية تحويل الرواية إلى سينما، وكذلك المسابقات القرائية مثل مسابقة إثراء للقراءة.

أصدر حكما قاسيا ب”إعدام” القصة القصيرة جدا على مقصلة النقد، ونفّذ الحكم حضوريا، بحضور “الشعر” فهو يرى أن القصة القصيرة جدا (تتعدى على وظيفة الشعر، فتسرق جزءاً من خصائصه بلا إجادة تامة) ثم إنه عاد وتراجع عن حكمه وقال (حتى لا أكون قاسيا…إلخ)، والحقيقة أن السيف سبق العذل!

وله رأي أعجبني كثيرا حينما قال أن الكاتب ليس مهما أن يكون عالما جهبذا في اللغة، وأن عملية التصحيح تكون على عاتق المدقق اللغوي؛ على أن هذا ليس معناه أن يأتي الكاتب بالطوام فيجر المرفوع، ويرفع المجرور، ولكن الأخطاء البسيطة والهنّات على الكاتب ألا يخوض فيها كثيرا، وعليه أن يتفرغ للكتابة الإبداعية، ومسألة التصحيح تكون عند دار النشر.

ثم إنه ذكرا ملحظا رائعا وحزينا في نفس الوقت حينما قال أن الكتابة لا تؤكل عيشا -وهذا هو الصحيح للأسف في عالمنا العربي- وإنما هو يعتاش من مهنة الطب!!

وقد كتبتُ مقالة سابقة عن الكاتب العربي، وأن أي كاتب عربي لابد أن يحصل على جائزة نوبل للصبر لأنه على هموم عيشه اليومية والتزاماته هو مطالب بكتابة نص إبداعي:
جائزة نوبل للصبر

الكتاب مليء بأسماء كتّاب سودانيين كثير، وكذلك العديد من الكتّاب العالميين؛ وهذا دليل على وفائه وعدم نسيانه لأصدقاء مهنته، فهو دائم الذكر لهم بالخير، والثناء على منجزاتهم.

لو كان لي من الأمر شيء، لجعلت الكتاب أو كثير من مقالاته مادة تدّرس لمن يريد أن ينخرط في الكتابة..

كما أن هناك كتبا يسمّونها “الأصولية” في علم الفقه، فإن “ذاكرة الحكائين” ينضم للكتب الأصولية في عالم الكتابة..

الكتاب من القطع المتوسط يقع في 181 صفحة، الصادر عن  منشورات الربيع للنشر والتوزيع عام 2020م.

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*