20يناير

جائزة نوبل للصبر

كتب أحمد أبو دهمان تغريدة كانت بمثابة وردة على قبر الثقافة العربية.

(إلى وزير الثقافة ومعشر الكُتّاب في المملكة: منذ صدور كتابي الحزام بالفرنسية وترجمته إلى لغات عديدة وأنا أستلم سنويًّا مبلغًا نظيفًا جدًا. هذه السنة استلمت1051 يورو. وفوق هذا يمنحني كتابي راتبًا تقاعديًّا وضمانًا صحيًّا شاملًا وحياة كريمة. أين نحن؟)

من ينظر إلى واقع الكاتب العربي المسحوق يعرف أنه يصرف أكثر مما يجني، ويُنتقد أكثر مما يُمدح، وربما خرجت له أحد لعنات الفراعنة من القمقم فيتم مصادرة كتابه.

إن الكاتب من المحيط إلى الخليج هو (السوبرمان العربي) لأنه مكافح من الدرجة الأولى، ويجب منحه جائزة نوبل للصبر مرتين على التوالي؛ فهو ومع أعباء الحياة الطبيعية من مسكنٍ وملبسٍ ومشربٍ فإنه يتحمّل عناء البحث عن دار نشر جيدة لا تهضمه حقه (لا أن تعطيه حقه الكامل)، وتكون واسعة الانتشار، وتشارك في المعارض المحلية والخارجية هذا هو أكبرهمّه. تقازمت أحلام الكتّاب العرب إلى درجة أنهم يبحثون عن دور نشر توفر كتبهم في منافذ البيع ولا يطبعون طبعات دون علمهم، وأما بالنسبة إلى (راتب تقاعدي، وضمان صحي شامل) فهذه أحلام في الجنة (إذا كنتَ من أهلها طبعا).

قرأتُ قديما كتاب (أين كان يكتبون بيوت الكتاب والأدباء في العالم) فتقطع قلبي، وتمنّيتُ أني لم اقرأ هذا الكتاب؛ لأني رأيت بيوتهم، ورأيتُ (شقتي المستأجرة)، ورأيتُ كيف حُوّلت بيوتهم من بعدهم إلى متاحف وآثار وكيف تحوّلت بيوت أدباءنا إلى مرآب للسيارات كبيت بشارة الخوري مثلا. الشاعرة الفرنسية مارغريت دوراس اشترت بيتها المسمى (نوفل لو شاتو) من حقوق كتابة سيناريو فيلم (جسر على المحيط الهادئ) بل إنها تقول: (البيت كان يواسيني على آلام الطفولة، وحين اشتريته أدركت في الحال أني فعلت شيئا مهما وجميلا في حياتي، لي ولابني ولآخر عمري. هذه المشاعر راودتني للمرة الأولى في حياتي). فمن يواسي آلام طفولتي؟! أما وليام فلوكنر فكان يخصص حقوق نشر رواياته لترميم منزله ليكون مريحا أكثر، يعني أن له بيتا ليرممه. يخرج فلوكنر من ملجأه الإبداعي ليكرس وقته لأعمال الصيانة الترميم والاهتمام بالحديقة وزراعة الزهور، وكانت مارغريت تتسلى بتنظيف بيتها والاعتناء به. فأنتم تجدون أن كثيرا من الكتّاب في الغرب لديهم مصدر رزق كريم يعيشون من خلاله، وعندهم مأوى يستطيعون الكتابة فيه، بل التسلّي في تنظيفه وترميمه وزراعة الزهور فيه، وتكون الكتابة هي المهمة الوحيدة له في الحياة كي يُبدع وكي يحفر اسمه في صفحات التاريخ. الكاتب العربي لا يُمكن أن يحفر اسمه في شجرة العائلة لأن ذهنه مشتتٌ على لقمة الرزق، والإيجار، والأقساط، وسياط النقاد، وجشع دور النشر، والأحزاب التي في الصحف، ثم بعد هذا كله هو مطالب بأن يكتب إنتاجا ذا قيمة عالية!! الكتابة المحترفة بحاجة إلى صفاء ذهن، واستقرار روحي.

لو كان الصبر رجلا، لكان في هيئة كاتب عربي.

  • نشر في مجلة فرقد الإبداعية التابعة للنادي الأدبي بالطائف العدد الواحد والعشرين:
    https://fargad.sa/?p=11532

 

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    تعليق واحد

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *