4مايو

وشاح الستر..سفر الدغيلبي

لدي إيمان عميق جدا بأن الشعر الشعبي هو أخٌ للفصيح، وليس هناك اختلاف جذري، وإنما رتوش بسيطة لا تؤثر على البنية الأساسية لعلم الشعر.
أحيان أقول أن بعض المواضيع لا يمكن أن يعبّر عنها إلا بالشعبي، وتارة أقول بالفصيح؛ كلا الأمرين شعر؛ بيد أن القالب الشعري مهم جدا للموضوع الذي يريد أن يناقشه الشاعر.
سمعت قصيدة الشاعر سفر الدغيلبي المعنونة (يا جارنا اللي نزلت ديارنا) وهالني ما فيها من
تكثيف للمعنى، وطرح عدة مواضيع في قصيدة واحدة، لقد اشتملت هذه القصيدة على صنوف
أنواع الشهامة والكرم والتقوى على ما سنبينه لاحقا إن شاء الله.
ولستُ بوحيد في هذا المضمار، فلقد أُعجب قبلي الأديب الكبير أبو تراب الظاهري بقصيدة لخلف بن هذال التي قيلت في حرب الخليج وقال أنها هي وقصيدة أخرى لعبدالله بن خميس كانتا أشد على الأعداء من ضرب المدافع، وأن هاتين القصيدتين ثبتتا الجنود المرابطين.
فأنت كما ترى أن القصيد الشعبي له أثر في النفوس ويعمل على تثبيت الجنود، والدفاع عن الوطن لاسيما إن خرج الشعر من شاعر قد شهد له الناس بالتقدم في الشعر مثل الشاعر سفر الدغيلبي.
هذه قراءة انطباعية، ولا أزعم أنها صحيحة وأن ما رميتُ له كان الشاعر يقصده؛ لكن حينما خرجت القصيدة من فم الشاعر انتهى دوره، وبدأ دور القارئ فالمعنى في بطن القارئ لا الشاعر لأنه هو الذي يملك تأويل القصيدة واستثارة معانيها إن كان من أهل النظر والفحص والتجربة.

يبدأ الشاعر بالبيت:
يا جارنا اللي نزلت ديارنا شرق عرق النفود
جيرتك ماهيب قشرا مير ما جت على حينها

وهذه بداية طبيعية عند الشعراء في تحديد مكان وقوع الحادثة، وهذا معروف منذ عصر الجاهلية كما هو عند امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
الدخول وحومل موضعان.
والشطر الثاني يخبر أن جيرة هذا الضيف ليست سيئة لكنها لم تكن في الوقت المناسب إما بسبب الوضع الشاعر الأسري، أو تقدمه في السن، والأبيات شارحة لقولي.

البيت الثاني:
بعد دعيناك للواجب ومصفوطنا للفهود
فرض علينا من الله والكرامة مسوينها

يقول الشاعر على لسان المضيَّف أن إكرام الضيف واجب بل هو فرض من الله عليه، وهذا
غاية في النبل وحميد الخصال، وهذه هي عادة العرب منذ الأزل.

البيت الثالث:
دعيتنا في ليلتن جعلها ما تعود
والصدفة اللي جرت في غيبتك ويني ووينها

تم دعوة الشاعر من قبل الضيف الذي جاء وحل في غير حينه وأوانه.

البيت الرابع:
يوم إلهدتني وأنا مانيب سالم بليا لهود
البارع الفارع مثل زين القمر زينها

اللهد له معنيان إما تعبٌ نفسي أو جنسي؛ ولكن من سياق الأبيات التي تلي هذا البيت يُفهم معنى الشاعر بأنه تعب نفسيّ بسبب جمال الفتاة البارعة الفارعة في الطول، وإن كنت أرى (مثل القمر زينها) تشبيه بارد ومكرور وليس فيه إبداع أو تجديد؛ فكل معشوقٌ يشبّه حبيبته بالقمر حتى مللنا هذا التشبيه.

البيت الخامس:
عز الله أني قبل مقلاطي أحييت سلم الجدود
طوحت بالصوت وأعطيت الضيافة قوانينها

هنا الشاعر يُبعد التهمة عن نفسه ويخبر أنه كان متمسكا بعادات الأسلاف والأجداد وأنه لم يدخل خفية أو استراق بل صاح بالصوت وأكمل واجبات الضيافة وطبق جميع العادات
والقوانين ولم يخرم منها شيئا، وهذا بيت موفق من الشاعر إذ حمى نفسه من تهمة الظنون، وبعض الظن.

البيت السادس:
مير اعمدتني على مركاي بين الذرا والعمود
وأنا أتوشح لباس الستر وألعن شياطينها

هنا تم تحديد مكان الضيافة وهو الخيمة.
يقول أنها جائته قاصدة له وجلست على نفس مركاه الذي يتكأ عليه، فيخاف منها
ويتوشح لباس الستر ويلعن شياطين الفتاة التي دعتها للجلوس بجانبه.
هذا إذا قلنا فعلا أن الحادثة كلها حصلت في الخيمة ولم يكن هذا واقع تخيلي من الشاعر يبعدنا عن تفاصيل القصة الحقيقية.

البيت السابع:
قالت ارحب تراحيب الحيا من صدوق الرعود
جيتك هذي ترانا من زمان امتحرينها

هنا الفتاة ترحب بالشاعر بحرارة عالية وتقول أن هذه الزيارة كانت تنتظرها منذ زمن.

البيت الثامن
اعرفك وأعرف قصيدك واشتري شوفتك بالنقود
واحفظ لك أعمال انته والبريكي مغنينها

هذه الفتاة تخبر عن نفسها أنها من عشاق الشاعر وشعره بل إنها تحفظ القصائد المغناة التي يغنيها المنشد خالد آل البريك الذي عرف عنه غناء قصائد الشاعر.
إذن نحن الآن أمام معجبة من معجبات الشاعر تحفظ قصائده.
وإن كنت أرى أن لفظة (مغنينها) ليست المفردة الصحيحة لأن الشاعر لم يشارك المنشد في الغناء ولو قال (مسوينها) لربما كانت أفضل.

البيت التاسع:
والحب شر على حم الذرا قاسيات الكبود
وش لون ما يجرح اللي قلبها أرق من عينها

هنا يعود الشاعر ليمسك زمام الكلام ويكون هو ضمير المتكلم ليقول أن الحب شر على أكباد الإبل، ومعروف عن الإبل حقدها وغلاظة قلوبها، ومع هذه الغلاظة والقسوة فإن الحب يجرحها
فكيف لا يجرح الحب الأنثى المعروفة برقتها لدرجة أن قلبها أرق من عينيها.

البيت العاشر:
وسايل التقنية تصنع وجودن بليا وجود
عان البدو تحت برج إيفل تفلي بعارينها

هنا يدخل الشاعر في صلب الموضوع ويبدأ في إحكام قبضته على المعنى ليشرح المعنى المراد وليطيل نفس القصيدة.
وسائل التقنية موهمة تصنع مشاعر مصطنعة غير موجودة.

البيت الحادي عشر:
يا ضيفنا لا تلوم اللي لها عام كامل وزود
اتحمل صورك والهاتف تحت لمسة يدينها

هنا يعود الضمير للمعجبة لتخبر الشاعر أنها معجبة به من أكثر من عام وأنها تحفظ صوره
في الجوال، والجزء الأخير من الشطر فيه شبه اعتذار من الفتاة بقولها(والهاتف تحت لمسة ايدينها) وربما هذه لفتة تربوية أن الجوال تحت تصرف البنت دون رقيب من الوالدين ولذلك جاء هذا الإعجاب وتحميل الصور.

البيت الثاني عشر:
جاوبتها شبه متماسك وأنا في عظامي برود
حنا عرب والعرب عاداتها شي من دينها

أعجبني الصدق في قوله (شبه متماسك) نعم هكذا هي حالته ولاسيما إذا تذكرنا أنها جميلة وفارعة وبارعة ومعجبة به وجالسة بجانبه بين الذرا والعمود فكل هذه الأمور تجعله يجاوب بشبه تماسك.
جاوبها بشكل قاطع وصريح بأنني عربي ولازلت متمسك في عادات العرب في عدم هتك ستر المرأة خصوصا أن العادة محكّمة في الشريعة أي أن كل عادة تستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطبائع السليمة هي محكّمة ومعتبرة، ولا يؤكد هذه العادة أفضل من حفظ جانب الجار وعدم التعدي عليه بأي نوع من أنواع التعدي.

البيت الثالث عشر:
والجيرة إلها خطوط حمر فالدين وإلها حدود
في يومها الأولي ولا ليا طالت سنينها

هو يقول أن الجيرة فاعلة وموغلة في التعظيم في الشرع سواء من أول يوم في الجوار أو بعد
سنين طويلة، فالجيرة لها حرمتها، وهو بهذا يشدد على المعنى في البيت السابق بأن من عادات
العرب حفظ الجوار.

البيت الرابع عشر:
يا بنت الأجواد أنا فالعلم هذا ذليل وشرود
حقيقتن لو باخفيها عن الناس يا بينها

ما هو هذا العلم الذي يقول الشاعر عن نفسه أنه فيه ذليل وشرود؟ هل كان في مقام يوسف مع
امرأة العزيز؟ إنه يجيد تغليف المعنى بإحكام وهو شاعر من الطراز الأول في هذا الجانب بحكم شاعريته وممارسته لشعر المحاورة، وهذا غاية في الإبداع بسبب أنه لم يأتي على معنى تمجه الأسماع وتستقذر منه النفوس، بل غلّف المعنى وقال أنا أعترف أن في هذه الحالة فقط فأنا شارد من ما تستقبحه النفس، ولو حاولتُ أن أخفي هذه الصفة فستبين لا محالة.

البيت الخامس عشر:
يا بنت الأجواد لو فالأمر هذا منافع وفود
تنافسوا فيه شيخان الديار وسلاطينها

ولكي يعزز وجهة نظره هذه وإلى رأيه الذي يميل إليه يقول: لو كان هذا الأمر خيرا لرأيتِ شيوخ القبائل والحكام وعلية القوم يتنافسون عليه، وهو ما اختار هؤلاء القوم تحديدا إلا لأنهم دائما يتنافسون على المعالي، وعلى الظفر بكل مكرمة والبعد عن كل منقصة، فابتعادهم عن الرذيلة دليلٌ على أنها ليست من مكارم الأخلاق.
وهذا باب استفاض العلماء في ذكره كالثعالبي في سياسة الملوك فإنه أفرد فصلا كامل في
حب الملوك والرؤساء للترأس في كل خير، والاستزادة من كل علم.

وهو كرر كلمة (يا بنت الأجواد) في بيتين متتالين، والتكرار يدل على الإصرار وتؤكيد المعنى لضرورة يعتقدها الشاعر.

البيت السادس عشر:
لكنها أحلام والحب الصناعي جديد العهود
والتقنية ثلثها النافع كفى دون ثلثينها

هنا يعود بنا مرة أخرى للحديث عن الحب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ويقول أن ما يحدث عبر هذه المواقع هو حب صناعي وليس حب حقيقي وأن ما يحدث لا يتعدى كونه إعجابا ليس إلا.
والعلاقات داخل هذه المواقع ليست إلا أحلام، والتقنية خيرها في ثلثها فقط والثلث كثير.

البيت السابع عشر:
ندرا على ديننا من خشية النار ذات الوقود
وسلومنا ما تغيرها الحضارة وروتينها

وهذا البيت هو أفضل ختام لأفضل قصيدة.
وهذا البيت هو الذي حملني على قول أنه أخذ دور يوسف في البيت الرابع عشر وإلا لما قال أنه
يخشى النار ذات الوقود.
والشطر الأخير فلسفي عميق وقد أُلفت فيه المؤلفات.
فهو يؤكد أنه بدوي وأنه عاداته لن يغيرها الروتين ولا الحضارة، وهذا الذي قاله ابن خلدون أن الحضارة تغير أخلاق الفرد، وتجعله ينصهر في المدنية وتجعله يتحلل من العادات والتقاليد وتنقله من النظام البدوي إلى النظام الحضري، وهذا أيضا ما قاله علي الوردي ولكن الشاعر يرفض هذا بقوة ويقول أن عامل الحضارة والروتين لن يجعله يتخلى عن عاداته وتقاليده فهو يخاف النار ذات الوقود.

وفي المجمل فالقصيدة ربما تحتمل تفسير غير الذي ذكرته وغير الذي ذهبتُ إليه؛ ولكن في كل الأحوال لقد استمتعت بقراءة القصيدة وسماعها، وهي لازالت حمّالة أوجه ويمكن تفسيرها بأكثر من وجه.

ويصلح أن نقول أن هذه قصة شعرية، فلقد احتوت على عناصر القصة كاملة.
سفر الدغيلبي شاعر أتى ليجدد في البحور الشعرية، ونجح في هذا، وتجديده في البحور تحديدا بحاجة إلى مقالة أخرى.
الحكمة ضالة المؤمن، وقد وجدت ضالتي هذا اليوم في هذه القصيدة.

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    3 تعليقات

    1. سفر شاعر محاوره فذ ودفن المعنى والتورية إليه
      هذا فن يعتمدة شعراء المحاورة ..
      وان كان ظاهر هالقصيدة عزلي وكلماتها عاطفية
      الان إني أظن إنها تحمل وجه سياسي .

    2. قصيدة الشاعر العملاقة من النمط القصصي الواضح .. اللتي تشرح نفسها بنفسها لم تكن بحاجة إلى شرح منك .. اخطئت على الشاعر في بعض من شرحك .. حيث تضمنت أبيات الشاعر تصرفات لا يفهمها الابدوي مثله لم تفهمها أنت لإختلاف البيئة بينك وبين الشاعر . شكراً

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *