4يونيو

ما هو الجمال؟

ماهو الجمال؟

قال الدكاترة زكي مبارك:
الجمال كثير التعقيد، لأن الجمال نوعان: معقد وبسيط، والجمال البسيط ذلك النوع من الوسامة الذي يدركه أكثر الناس، والذي يُعرف بتناسب الأعضاء، وهذا النوع في سهولته وبساطته يشبه الألوان الأخاذة التي يهش لها صغار الأحلام من الناس؛ أما الجمال المعقد فهو ذلك النوع الذي لا يفهمه إلا أصحاب الأذواق، وهذا النوع من الصباحة لا يرجع إلى فتنة الخدود، وسحر العيون، وإنما يرجع إلى ما هو أخطر من ذلك، يرجع إلى دقائق من الحسن وغرائب الملاحة، لا يعرف تأويلها إلا الراسخين في علم الجمال.

وفي كثير من الأحيان يُعقد الجمال على صوت خطوات الأرجل، وخائنة الأعين، وحركات الأيدي والأعضاء.

والجمال كغيره من الأمور يختلف من إنسان إلى آخر ومن عين إلى عين، إنه لا ينبغي الجدل في مسألة الذوق، فقد يعجب المرء بشيء لا ينال من آخر أي مبلغ من الإعجاب.

وهذا راجع إلى أننا إما أخطأنا في إطلاق لفظ (جميل) على كل ما أطلقناها عليه أو أننا بمصادفة أطلقنا لفظة لغوية واحدة

على أشياء مختلفة.

مشكلة الألفاظ التي نطلقها في التعبير عن الأشياء أننا نستخدمها في أكثر من موقع تتباين فيه الأمور وتختلف معه الأشكال وتفترق عنده الأحوال، والواجب إعطاء الألفاظ موضعها المناسب وإنزالها المنزل الذي لا يحدث الالتباس و(إننا نميز في وضوح وجلاء بين ما هو جميل بالمعنى الدقيق، وبين ما هو ممتع كجرعة الماء.

هناك معاني كثيرة محتواه داخل لفظة (الجمال) التي يعبر بها الناس عن مواقف ومشاهد وملاحظات الراحة الداخلية النفسية وليس كل (ما يقر العين منظره ويطرب الأذن سمعه يكون جميلا) الاستنتاج أن بعض اختلافات الأذواق ترجع إلى الخلط بين معنى الجمال وغيره من الصفات كالإمتاع والملاءمة.

ولكن يخلط كثير من الناس بين الملاحة والجمال؛ لأنه قد يكون مليح غير جميل، أو جميل غير مليح كما قال الشاعر:

هي الحسن ذاتا والجمال شمائلا
ويا ربُ حسن كان غير جميلِ

وبرأيي أن الجمال يكون اتساقا بين جمالين بين جمال الظاهر وبين جمال الباطن والجمال الظاهر وهو من شأن الحواس، والجمال الباطن وهو من شأن البصيرة التي من حرمها  فقد حرم التلذذ بالجمال الحقيقي.

العوامل المؤثرة في الجمال

-البيئة عامل مؤثر على الجمال، فالذي ينشأ في بلد جميع سكانه طوال نحاف، غير الذي يكون في بلد سكانه كلهم قصار سمان.

-اللغة تؤثر في استشعار الجمال عند القارئ، وما ترجمت لغة إلى أخرى إلا فقدت كثيرًا من معانيها الخيالية وأهدافها التمثيلية التي تخضع لقواعد اللغة الأولى.

يستطيع المرء أن يشعر بجمال ما يؤيده ويؤيد أفكاره من شعر وكلام وصور، ولكنه يجد صعوبة في نفسه من إدراك جمال ما يتخالف معه.

عندما يرتبط الأمر بشيء جميل، فإن تذكره يوحي بالجمال، والحكم  على شيء بالجمال يخضع لتجاربنا ومحاولتنا الحياتية.

طالما أننا خاضعون للتأثر بما ترتبط به الأشياء لدينا، فلن نستطيع أن نبلغ نقاوة الحكم على الشيء، ونصيبه في حقيقته  من جمال أو دمامة.

إن انجذاب الآخرين للشيء هو تعبير عن انعكاسات داخلية باهتمامات  متعلقة بذات صاحبها.

 وليس للجمال أو إدراكه وقت محدد، فما يكون جميلا بعد عشرة  أيام، من الممكن أن يختلف تصورنا تجاهه بعدها بأيام، أو حتى إذا  اختلف المكان فـ (إن أنسام الجمال تهب رفّاقة حينما تشاء) من الممكن اعتبار الشيء جميلا بما نتوارثه عن الأجداد أنه كان جميلا عندهم، فينتقل الشعور بالوراثة.

أحيانًا نحتاج إلى البحث عن المعاني الخبيئة الدفينة للأشياء  حتى نفهم طبيعة جمالها على النحو الذي أراده أصحابها.

     -لا يقاس جمال الشيء بمقدار ما نتحصله من منفعة مترتبة منه أو عليه.

الجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال، فأما جمال الخلقة: فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائمًا، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من البشر، وأما جمال الأخلاق: فكونها على الصفات المحمودة، من العلم والحكمة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل أحد،

وأما جمال الأفعال: فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق، وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم. أ.هـ

ويقول الدكتور خالد بن عبدالله الخميس:

الأجمل في نظرك الإنسان أو الحيوان، المرأة أم الرجل، السود أم البيض أم الملونين؟ هل الأوربيون هم بالفعل أجمل الأعراق الإنسانية؟ هل هناك مثلاً معايير ثابتة عند البشر لوصف الجمال أم أن معايير الجمال تختلف من وقت لآخر؟ والواقع أن ظاهرة الجمال ومعاييره تعتبر خاصية مكتسبةومتعلمة ولا تخضع لأي جوانب فطرية أو موروثة.

الجمال معيار يكتسبه المرء من المجتمع بل إن هذا المعيار أساساً ليس له وجود فلسفي ثابت.

يظهر من خلال المشاهدات العامة أن الجمال عند شعب يختلف عن الجمال عند شعب آخر، وأن ما هو حسن عند عرق سيئ عند عرق آخر، وأن ما هو مستقذر عند أمة مستحسن عند أخرى. ويبقى السؤال مبهماً حول العوامل التي تحدد خصائص الجمال عند البشر، ويبقى ميزان الجمال ميزان غير ثابت يتغير بمرور الزمان ويتباين بتابين الثقافات.

وإذا كانت مساحة الفطرة واسعة في تحديد الأصوات الحسنة وكذلك الروائح الجميلة فإن مساحتها في تحديد المناظر الجميلة والوجوه الحسنة قليلة أو منعدمة.

يقاس الجمال عند المجتمع المتخلف للصورة التي يرسمها له المجتمع الحضاري ويكون الميزان الجديد للجمال هو الصفات الخَلْقِية والخُلقية للمجتمع الحضاري.

يصف ابن خلدون أشكال الأوربيون بالشهابة والغبرة.

وهذا الوصف كان في زمن كان العرب هم منبع الحضارة والعلم وكان الأوربيون هم أهل التخلف والجهل وكان الغرب في ذلك  الوقت يتفاخرون بتعلم الكلمات العربية وترديدها.

وما نجده اليوم معاكس لما كان بالأمس عليه الحال إذ أن الجمال هو المواصفات الأوربية فالبشرة البيضاء «الشهباء كما يصفها  ابن خلدون» والعيون الزرقاء والشعر الذهبي هي الصفات المثالية للجمال.

وبالمثل فإن اليابانيون إلى حد قريب يوصفون بأنهم فطس الوجوه وأن عيونهم غائرة وأن لونهم أصفر، واليوم بعد ما أثبتوا ثقلهم الحضاري أصبح اليابانيون هم أجمل الشعوب وأفضلها شكلاً.

وهكذا تحولت النظرة التي كان يوصف بها الجنس الياباني أو الأوربي في القدم من الدمامة وقبح إلى النظرة الحالية التي تصف هذين الشعبين على أنهم أجمل الأجناس وأرقاها، وكل ذلك يعود بشكل مختصر للثقل الحضاري لتلك المجتمعات.

لو افترضنا جدلاً أن خرجت حضارة من قلب أفريقيا وأصبحت الصولة والجولة ومن يقود المعترك الحضاري والسياسي هم من ذلك الجنس، فهل تتغير معايير الجمال وتنقلب البشرة السوداء الإفريقية هي اللون الأجمل؟ وأن الأنف الواسع هو الأنف الأجمل؟ وأن الشعر المجعد الجاف هو الأحسن؟ لاشك أن قانون التعميم الذي يحكم سلوك الإنسان سينسحب على  مثل تلك الأمور ويصبح التغزل بالإفريقيات هو الموضة السائدة.

(من كل فن قطرة ومن كل علم فقرة: ١١٩-١٣٠)

 

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

تعليق واحد

  1. ياسلام علي الابداع اخي حاتم الشهري سلمت اناملك و فاض قلمك عطراً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*