6يونيو

علاقة الإنسان بالحيوان

علاقة الإنسان بالحيوان علاقة قديمة ووطيدة منذ فجر الإنسانية.

وهي كسائر العلاقات يشوبها الكثير من القلق ومن الاعتناء بها وفي أحيان كثيرة إلى تدني المستوى من أحد الأطراف.

دعاني إلى التفكير في علاقة الاثنين مع بعضهما البعض، ما حصل من بكاء  أحدهم على فراق حيوانه الأليف، وكعادة الناس في تلقف الأخبار، انقسموا إلى فريقين، فريق يؤيد ردة فعل الإنسان، والفريق الآخر يرى أن الحيوان لا يستحق البكاء عليه.

وعندي أن المسألة في هذه الحادثة تحديدا لا تدور على علاقة الإنسان بالحيوان في المقام الأول بدرجة نظرة الناس إلى البكاء بشكل عام.

أغلب البشر لديه رؤية ضبابة تجاه الدموع والبكاء.

بين مغالٍ في رفض الدموع كسقراط الذي يراها حالة ضعف واستسلام، وبين مؤيد لها بشكل كبير كفرانسيس ميتيفي الذي يرى أن البكاء حالة تسامي وتساعد الناس للتغلب على الأحزان والمشاكل.

وهنا تأتي أسئلة من الممكن طرحها:

هل البكاء يقودنا إلى الحرية والسعادة أم يهوي بنا إلى الحزن والاكتئاب؟ البكاء محرر أم مقيد؟ هل هو زنزانة أم فناء فسيح؟ هو هدية أم نقمة؟ هل حبسنا للدموع له آثار نفسية وروحية وجسدية؟ هل البكاء في الجموع مثله مثل البكاء على انفراد؟ هل نستطيع تحديد مصطلح اسمه (أخلاقيات البكاء؟)

إن الدموع لدى الرجال تختلف عنها عند النساء فهناك (تهمة) موجهة للنساء أنهن يبكين متى ما أردن؛ بل يستخدمن البكاء كوسيلة ضغط لعلمهن بأن الدموع  علامة للهشاشة على الأقل بالنسبة لهن.

الدموع حساسة رقيقة وكأنها بهذه الصفة أليق بالكائن اللطيف (الأنثى).

أعتقد أن البكاء أمام الناس فيه حرج والدليل قول الله تعالى عن يعقوب عليه السلام (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف) فاضت عيناه بعد أن تولى عنهم، ويسند هذا القول بيت مجنون بني عامر في قصيدته المؤنسة:

وأبيكتماني وسط صحبي ولم أكن

أبالي دموع العين لو كنتُ خاليا

وهذا يعضد أن البكاء الجهري فيه حرج للرجال على خلاف السبب والمسبب، حتى أن بعضهم تعدى وتجاوز الحد في الصبر إلى درجة أنه لا يبكي عند فقد الأموات مع أن الموت أعظم المصائب وأشد النوازل:

ولا تراهم وإن جلّت مصيبتهم

مع البكاة على من مات يبكونا

على أني أرى البكاء نوعا من التنفيس لاسيما في الخلوة بصرف النظر عن نوع الباكي..

البكاء بريد الرقة.

فإذا حررنا هذه المسألة نستطيع بعدها أن نتحدث عن علاقة الإنسان بالحيوان، هذه العلاقة التي كانت علاقة عبادة في العصور القديمة..

كان لكل قبيلة في أمريكا الشمالية حيوانا يسمى (الطوطم) يُعبد كصنم وتسمى القبيلة باسمه ويشتق أفرادها حسبهم وأصلهم منه.

يقول المستشرق الألماني جورج ألكسندر فيلكن: «لابد من تفسير حقيقة كون القبائل لدى العرب تحمل أسماء حيوانات بطريقة أخرى.

يعتقد كاتبنا (يقصد روبرتسون سميث) أن الأسماء كان لها في الأصل معنى ديني وكان لها صلة بتقديس الحيوانات، وأن يكون العرب القدامى يسمون أنفسهم بأسماء الآلهة التي يقدسونها فهذا أمر لم يكن غير عادي على الإطلاق.

ولذلك كانت أسماء الآلهة تطلق كثيرا ليس فقط على الأشخاص وإنما أيضا على القبائل.

وهكذا كان هناك كنتيجة لعبادة القمر والشمس في أزمنة قبل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم – قبيلة اسمها (هلال) وأخرى اسمها (بدر) وثالثة اسمها (شمس) وكانت هناك أسماء أخرى للقبائل مشتقة من أسماء الآلهة مثل غنم ونِهم ونُهم ونُهام »

(الحق الأمومي عند العرب القدامى: 8-13)

هذه كانت العلاقة قديما حينما كان الإنسان في الفلوات وكان قريبا من الحيوان؛ ولكن حينما انتقل إلى الحاضرة وإلى المدينة وبدأ عهد الأجيال بالبُعد من الحيوان نشأت هنا الفجوة، ومرت أجيال كثيرة لا تعرف الحيوانات إلا عن طريق حديقة الحيوانات أو عن طريق المدارس أو عن طريق القنوات الترفيهية.

هذه الفجوة هي التي جعلت البعض يستكثر البكاء على حيوان ميّت؛ مع أن أجدادهم الأوائل كانوا يقدسون هذا الحيوان بل يعبدونه.

ما بين التقديس قديما والإهمال حديثا يأتي صوتنا مطالبا بالرفق بالحيوان ومعرفة أن الحيوان تعدى كونه كائن غير ناطق بل أصبح يستخدم طبيا وصار هناك مسار اسمه (العلاج بالحيوانات الأليفة) وهذا العلاج يكون بين الانسان والحيوان في مواجهة اضطراب يحدث للإنسان؛ فالتفاعلات الودودة التي تحدث بين الانسان والحيوان تنشط هرمون الأندروفين وهو بدوره يقوم بتخفيف الألم.

لقد واصل الحيوان تقديم عونه للبشرية حين كانت تستخدم أمعاءه في خيوط الجراحة إلى وقتنا الراهن في العلاج بالحيوانات الأليفة..

لقد جعلتنا المدينة أقسى على أنفسنا وعلى الحيوان بشكل لا يصدق..

لقد كانوا أسلافنا أعقل منا وأحن على الحيوان..

ليتنا نلحق بغبارهم..

هيهات..

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*