13مايو

الفردانية الجديدة

أرى أن سلوك الناس في النادي الرياضي الذي أذهب له ينحى إلى الفردانية، بمعنى أن الأغلب يضع سماعات رأس ويتواصل معك بلغة الإشارة وأحيانا لا يوجد شيء يسمعه -كما أفعل- ولكن ليمنع التواصل مع الناس.
أصبحنا جزر صغيرة يحفنا عدم الرغبة في التواصل مع أحد.
الأغلب يأتي للنادي للتمرن نعم؛ ولكن هناك الكثير يأتي لينفس عن نفسه، وعن رغباته، وعن خيباته في الواقع.
النادي لم يعد لتمرين الجسد فقط، وإنما لتمرين الروح أيضا.
الجل ينأى بنفسه عن التواصل مع الآخرين، وإذا جاء إلى جهاز ووجده مشغولاً فإنه ينتقل للذي يليه أو أنه يبَّدل التمرين بالكلية؛ المهم أنه لا يتواصل مع بني جنسه.
النادي أدرك هذه الفردانية ولذلك؛ ألغى ملعب كرة الطائرة، وحوَّلها إلى ملعب للاسكتواش، وأضاف طاولة لتنس الطاولة.
كرة الطائرة لعبة جماعية تحتاج إلى عشرة أشخاص حتى تكتمل ويصلح اللعب؛ وأين تجد عشرة أجساد تذهب للنادي للعب الطائرة، الزمن تغيَّر والآن زمن الألعاب الفردية أو الثنائية كحد أقصى مثل تنس الطاولة، أو البلياردو.
هل هذا شيء جيد؟ ظروف الحياة الصناعية هي التي حوَّلت البشر إلى جزر صغيرة مكتفية بذاتها، وهذا الاكتفاء ظاهري فقط؛ وإلا فالروح خاوية غالبا.
كل شخص أصبح يحب الخصوصية ويذهب للأماكن التي لا يكون فيها اتصالا بشريا كثيرا؛ فتجد الواحد منا يذهب إلى مطعمٍ بعيد، أو كوفي شوب جديد لا يعرفه إلا القلة، من أجل قلة الصوارف والمُشغلات.
نحن نعيش في مدينة رقمية كبيرة، قريبين بالأجساد بعيدين كليا في الروح.

على أن نيقولاي برديائف يصرح: (ومن الخطأ اعتبار العزلة نزعة انعزالية) بل إنه يقول (الانفصال عن الروتين الاجتماعي اليوم للعالم الوضيع هو مرحلة من مراحل نمو الإنسان الروحي)؛ لكنه يدو َّي بفكرة خطيرة وهي: (فكرة العزلة تفترض دائما الحاجة واللهفة إلى الاتصال الروحي، وحينما ُيصبه الإنسان ُمدركا لنفسه بوصفه شخصا، وحينما يتطلع إلى تحقيق شخصيته، عندئذ ينبغي عليه أن يعترف أولا بعجزه عن الاستمرارر في وجوده التنسكيِّ) بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يواصل الصمود داخل قوقعته التي صنعها بنفسه. ولكن السؤال الجوهري: لماذا نحن نتصرف بهذا الشكل من العزلة وعدم ال ُخلطة؟ ُيجيب نيقولاي:
(عدم الفهم أو انعكاس الذات غير الصادق في ذات أخرى قد يوقظ أيضا الشعور بالعزلة، والذات تعاني حاجة عميقة إل أن تنعكس انعكاسا حقيقا في ذات أخرى) أي أن الإنسان يبحث عن شبيهه الروحي وعدم تواجد هذا الشبيه قد يوقظ إحساس العزلة الراكد بداخله.
حتى أنه يقول إن القراءة والكتابة بل المعرفة برمتها هي تعبير عن محاولة الفرد للتغلب على العزلة.

إننا نصنع الحدود بيننا ثم نشكو الوحدة وقلة الأصدقاء في مواقع التواصل!!

 

 

تم نشر هذه المقالة في العدد التاسع والعشرين من مجلة فرقد:
https://fargad.sa/?p=15255

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*