هذا المقال هزلي اضبط أعصابك قبل قراءته.
ولد المتنبي سنة 303 للهجرة في الكوفة أما اليوم والشهر فقد ضاعا في الطريق إلينا وهذه خسارة صغيرة لمحبي الأبراج لأن شاعرا مثل المتنبي كان سيمنحهم مادة لا تنتهي.
ومع ذلك سأقول بكل عبث أن المتنبي برجه برج الأسد فقد كان يكتب وكأن العالم يكتب عنه.
كان يدخل القصيدة فيتغير مركزها يمدح سيف الدولة وبعد أبيات قليلة يمدح الرجل الذي في المرآة.
يقول لسيف الدولة:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
كان من المفترض وفق قوانين المديح أن تكون الأضواء كلها مسلطة على الممدوح لكن المتنبي كان يملك موهبة عجيبة في الوقوف تحت الضوء أينما وضع المصباح وهذه أول علامة ترشحه ليكون برج الأسد.
الأسد في الصورة الشائعة للأبراج يحب الاعتراف والحضور والمكانة ويحتاج أن يشعر أن دخوله إلى الغرفة أحدث تغييرا فيها.
طموحه يتجاوز القصيدة إلى المكانة ويتجاوز المكانة إلى المجد ويتجاوز المجد إلى نوع غريب من الخلود الشخصي لهذا تبدو (الأنا) في شعره ضخمة إلى درجة أن القارئ بعد ألف عام ما زال يستطيع رؤيتها:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
تأمل حجم الأنا هنا: الأعمى يراه، والأصم يسمعه.
لقد ألغى المتنبي في بيت واحد عاهتين من عاهات الحواس حتى يستطيع الجميع الوصول إليه
وقد يكون هذا أحد أكثر الأبيات (أسدية) في تاريخ الشعر العربي .
ربما نستطيع أن نفهم كثيرا من تقلباته وعلاقاته وخصوماته من هذه النقطة تحديدا فهو يستطيع تحمل السفر والخطر والفقر والعداوات ويصعب عليه تحمل شعوره بأنه أصبح أقل مما يتصور عن نفسه.
كان بلاط سيف الدولة المسرح المناسب لشخصية المتنبي وحين بدأت مكانته تهتز أصبحت الجراح شخصية ومن أجل هذا تبدو قصيدته الشهيرة في عتاب سيف الدولة شديدة الحرارة.
رجل وشاعر مجروح جرح الكرامة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
حتى الحب عند المتنبي يصعب عليه أن ينتصر تماما على الكبرياء وفي واحد من أشهر أبياته يقول:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجبُ
لاحظ الفعل: أغالب
حتى الشوق فيه معركة واستسلام وكأن مشاعره نفسها ينبغي أن تهزمه حتى يعترف بها.
ثم نصل إلى الصفة التي تجعل فرضية الأسد أكثر إغراء: الإيمان بالمصير الاستثنائي فهو يتصرف كإنسان يعرف مكانه في العالم ويرى أن العالم أخطأ في تقدير المكان الذي يليق به.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
و
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
المتنبي كان يملك تصورا عموديا للحياة: فوق وتحت/ علو وانخفاض/ مجد وضعة/ انتصار وهزيمة لا يوجد وسط لديه فهو إما يمين أو يسار.
حتى حين يتحدث عن سيف الدولة في مواجهة الموت يقول:
وقفتَ وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
هذا عالم المتنبي المشبع بهذه الصورة: الإنسان الإله.
الأسد في المخيلة الفلكية كائن مسرحي بطبيعته يحب الجملة الكبيرة والإيماءة الكبيرة والمشهد الذي يستحق الرواية والمتنبي كان سيد الجملة الكبيرة.
لو كان لي من الأمر شيء لتمنيت لو كان هناك بحثا يهتم بذكر النجوم والأنواء والسماء في شعر المتنبي حتى نخلص في النهاية إلى أنه فعلا ينتمي لبرج الأسد.