كنت اقرأ كتاب أنس المحاضرة بما يستحسن في المذاكرة للإمام المحدث القاضي عز الدين ابن جماعة وهو كتاب أدبي حافل بالأخبار والنوادر والحكم فاستوقفتني فيه عبارة أوردها المؤلف عن حسن القزاز يقول فيها: (أصل هذا الأمر الانفراد، ولا تسأل، ولا تدخر، ولا تصل صلاتين في موضعين). الحقيقة أشكل عليّ فهم هذه العبارة وما المقصود منها.
وحتى تفهم مراد قائلها يجب أن تبحث عنه وتعرف من هو فبحثت ووجدت أن الذهبي قال عنه عبارات ذهبية: وكان شيخا صالحا متوددا، سليم القلب، حسن الأخلاق، صبورا، مشتغلا بما يعنيه). ولعل هذا الوصف يفتح لنا بابا لفهم عبارته؛ فنحن أمام رجل وصف بالصلاح وحسن الخلق وسلامة القلب.
ويجب أن أتوقف عند الوصف الأخير: “مشتغلا بما يعنيه” وصف يختصر خصلة من أثمن الخصال وأشقها على النفس: أن يعرف الإنسان ما يعنيه فيشتغل به، ويعرف ما لا يعنيه فيتركه.
وهذا يعني أن ترك ما لا يعني لا يتحقق بمجرد الإعراض عنه، وإنما بأن يكون للإنسان ما يشغله من العلم والعمل والعبادة وإصلاح نفسه والقيام بما عليه، فمن امتلأ وقته بما يعنيه ضاق فيه المكان عما لا يعنيه.
نعود للعبارة بحثت وسألت وظهر أن المقصود كالتالي: المراد بهذا الأمر يعني طريق الزهد والتجرد والتوكل، أما الانفراد فمعناه أن أصل هذا الطريق خلو القلب من التعلق بالخلق.
ولا تسأل أي لا تسأل الناس حاجتك ولا تجعل معاشك قائما على الطلب منهم؛ وهذا من شدة اعتمادهم على التوكل والتعفف، ولا تدخر أي لا تجمع شيئا لغد اعتمادا عليه وركونا إليه.
وقريب منه ما قرأته في كتاب عن الفتوة: قيل: الفتوة أن لا تهرب إذا أقبل السائل..وقيل: أن لا تحتجب من القاصدين..وقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر، وكلها معاني تدور على أصل واحد وهو التجرد من التعلق بما في اليد، وبذل النفس للناس من غير انتظار مقابل منهم؛ فلا يمنعك خوف الفقر من العطاء، ولا يدفعك الحرص إلى الاختباء من صاحب الحاجة، ولا يكون ما ادخرته أحب إليك من قضاء حاجة من قصدك.
ولكن الجزء الأشد غموضا والذي توقفت عنده هو (ولا تصل صلاتين في موضعين) ووجدت من شرحه وقال: التوطُّن ولزوم الموضع أي أن لا تتشتت بين مكانين ودارين؛ بل الزم خلوتك ومكان عبادتك؛ فالانتقال والتردد الدائم بين المواضع يورث تشتت الهم ومخالطة الناس وضعف الجمعية على الله؛ فالمعنى: اجعل صلاتك وعبادتك في موضع ثباتك ولا تكثر الترداد والتنقل.
والحقيقة أنه لم يعجبني الشرح ولا أعتقد أنه المراد، ومازلت في طلب المعنى لهذه العبارة حتى سألت السيد أوعلي عبدالعالي وقال لي: الظاهر أن فيها خطأ طباعي/ نسخي وهذا يقع كثيرا في كتاب “أنس المحاضرة” لأنه طبع أول مرة عن مخطوط واحد بخط المؤلف سنة 762ه.
من حيث المعنى الصوفي لا تستقيم فمقصود الزهاد مثل حسن القزاز هو: أن تغيّر موضع صلاتك، لا تصلي الفريضتين في نفس المكان حتى تكثر البقاع التي تشهد لك وتكسر العادة والرياء
فالصواب لغة ومعنى هو: “ولا تصل صلاتين في موضع واحد”وهذا هو المشهور في كتب الزهد والرقائق وهو الموافق لقول السري السقطي الذي رواه ابن جماعة في نفس السياق: “لا تسأل أحدا شيئا…” أ.ه وقد أجاب وأحسن وأظنه هو المعنى والله أعلم.