في كتابها الاقتصاد والشعر تضع الشاعرة الإسبانية يولاندا كاستانيو إصبعها على جرح يتجنبه الوسط الأدبي؛ فالقصيدة تحاط بالتبجيل بينما يترك صاحبها ليتدبر رزقه وحده وتناقش المؤلفة المفارقة بين القيمة الفنية للقصيدة والقيمة الاقتصادية للجهد المبذول في كتابتها والدخل الذي يصل إلى الشاعر فعلا.
تنطلق كاستانيو من الصورة الرومانسية الموروثة عن الشاعر بأنه كائن يعيش على الإلهام ويترفع عن الاحتياجات المادية حتى أصبحت مطالبته بالأجر موضع ريبة وكأن المال ينتقص من صدقه الإبداعي وتنعكس هذه النظرة على المهرجانات والأمسيات حيث يتقاضى المنظمون أجورهم بينما يطلب من الشاعر الاكتفاء بالظهور والانتشار فيما تسميه المؤلفة العملات الرمزية التي تمنح المكانة والحضور لكنها لا تدفع إيجار المنزل.
وتتسع المشكلة حين تتحول المشاركة المجانية إلى عرف مهني؛ فالشاعر الذي يمتلك دخلا ثابتا يستطيع التنازل عن أجره لكنه بذلك يضعف قدرة زملائه الذين يعتمدون على نشاطهم الأدبي على التفاوض وهنا يصبح الفقر عاملا في تشكيل المشهد الشعري إذ تتاح فرص السفر والإقامات والتفرغ لمن يمتلك الاستقلال الاقتصادي بينما تحرم الثقافة من أصوات لا تستطيع تحمل تكاليف الاستمرار.
وتدعو كاستانيو المؤسسات الثقافية إلى تحمل مسؤوليتها مستحضرة تجارب الدعم في ألمانيا والسويد والمكسيك.
تنجح أطروحتها في نقل القضية من الشكوى الفردية إلى أخلاق المهنة والسياسة الثقافية لكنها تترك أسئلة تستحق المناقشة؛ فأجر الأمسية يكافئ الحضور والخبرة والأدء لكن تظل عوائد القصيدة المنشورة محدودة كما أن مطالبة الشعراء برفض المجانية تحتاج إلى تنظيم مهني يحدد الأجور ويحمي المفاوضة الجماعية أما التمويل المؤسسي فيثير سؤال الاستقلال: من يختار الشعراء المستحقين للدعم وبأي معايير؟
يبقى (الاقتصاد والشعر) كتابا مهما لأنه يمنح الشاعر لغة للدفاع عن عمله ويكشف كيف يمكن للفقر أن يغربل الأصوات قبل أن تسمع لكنه يعيدنا إلى السؤال الأصعب: هل تستطيع القصيدة ذاتها أن تكون مصدر عيش؟



Add a Comment