تغريب المألوف (33)

الحيرة الإنسانية

كنت اقرأ كتاب يوسف الخال دفاتر الأيام أفكار على الورق ووجدته ذكر ملاحظة في الرابع عشر من أيلول عام 1972 يتأمل فيها حال الجيل الأمريكي الطالع فقال: (وقعت في يدي مجلة أمريكية صغيرة الحجم تصدرها هيئة دينية. كان هذا العدد من المجلة يعالج مشكلات هذا الجيل وفي طليعتها الفراغ والضياع؛ بل أن الفراغ والضياع في نظر القائمين على تحرير المجلة هما أساس كل شيء. فبعد أن خسر الجيل الطالع إيمانه بخالقه وثقته بالجيل السابق وسلوكه وآرائه ومؤسساته راح يبحث عن بديل وفي أثناء هذا البحث العسير ضاع وسقط في الفراغ). أ.هـ.
يصعب علي أن أتجاهل ذلك الشبه المدهش بين جيل وصفه يوسف الخال قبل أكثر من خمسين عاما وجيل نراه اليوم يتقلب بين وفرة الخيارات وندرة الطمأنينة.
العجيب أننا ربما نكون في أرقى حقبة زمنية من ناحية التقنيات ووسائل التواصل الرقمي وامتلأت حياتنا بكل شيء ولكن الفراغ بقي على حاله.
حالة الشرود والشعور بالضياع ما زالت ملازمة لكثير من الناس، وليتها وقفت عند الجيل الطالع فحسب.
إحدى مفارقات عصرنا الكبرى: أن تتكاثر وسائل الاتصال ويزداد الشعور بالوحدة وأن تتسع أبواب المعرفة ويضيق أفق المعنى وأن تتاح للإنسان من أسباب المتعة والراحة ما لم يتح لأسلافه ثم يظل يسأل السؤال القديم نفسه: ما الذي ينقصني؟
ولطالما كان الشاب يتمرد على الأعراف ويبحث عن حريته في تحطيم ما ورثه من يقين، ولعل هذه هي دورة الشاب سواء في الشرق أو في الغرب.
دائما كان هناك نقمة على الجيل السابق أيما كان هذا الجيل، فكل جيل جديد يعتقد أنه أفضل من السابق ولذلك يتمرد على القواعد والأسس والمثل التي وجدها وكأنه بهذا يصنع لنفسه حياة وقيم جديدة ثم يكتشف إذا وصل مرحلة النضوج أن المثل السابقة كانت جيدة إلى حد كبير ويعود لها ويحن إليها.
العجيب أن الإنسان الحالي الذي يقف خلف الشاشة لا يبدو بعيدا كثيرا عن ذلك الإنسان الذي كان يوسف الخال يتأمله.
آخ يا الإنسان الحديث ما أحزنه.
تغيرت أشياء كثيرة خلال خمسين سنة لكن بقيت الحيرة الإنسانية على حالها.

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *