الشعر العربي مر بتحولات في حدوده الشكلية الوزن والقافية وشكل السطر ثم جاءت قصيدة النثر وأثبتت أن الشعرية يمكن أن توجد دون الوزن لكن تصريح الكاتب والمترجم الأمريكي غاي بينيت (Guy Bennett) في لقائه الأخير مع موقع ناتسيوني إنديانا الثقافي الإيطالي يعيد السؤال من زاوية أخرى حين يقول عن كتبه الأخيرة: (أصفها بأنها أعمال من اللاشعر أو كتابات في جوار الشعر (poetry-adjacent writings) لأنها تبدو لي أقرب إلى الشعر من الأشكال الأدبية الأخرى مثل الرواية أو المسرح من دون أن تكون شعرا بالمعنى الدقيق).
توقفت كثيرا عند عبارة في جوار الشعر فقد أعادتني إلى سؤال قديم يعود اليوم بصورة مختلفة أين ينتهي الشعر؟ نحن نعرف إلى حد ما أين تبدأ الرواية ونعرف المسرحية والمقالة والقصة لكن حدود الشعر ظلت أقل استقرارا وكلما اعتقد النقد أنه أحكم تعريفها ظهرت كتابة تختبر هذه الحدود من جديد.
قصيدة النثر فعلت ذلك من قبل حينما تخلت عن واحد من أبرز الشروط التي ارتبطت به طويلا وهو الوزن وبقي النص يسمى قصيدة وبقي صاحبه يسمى شاعرا وانتقل النقاش من سؤال الوزن إلى سؤال الشاعرية: إذا لم يكن الوزن هو الذي يجعل النص شعرا فأين تكمن شاعريته؟
ما يقوله بينيت يدفع السؤال خطوة أخرى فهو لا يسأل إن كان الشعر ممكنا من دون وزن فهذا سؤال تجاوزته تجارب شعرية كثيرة وإنما يضعنا أمام احتمال أكثر التباسا: أن توجد الشعرية في كتابة لا تطالب أصلا بأن نعترف بها قصيدة، كتابة تقيم بالقرب من الشعر تستخدم أدواته وحساسيته وكثافته وربما صوره وإيقاعه ثم تتوقف قبل أن تدخل بابه وتقول: أنا شعر، وهنا يصبح الفرق بين قصيدة النثر والكتابة في جوار الشعر مهما؛ فقصيدة النثر وسعت حدود القصيدة من الداخل دخلت إلى الشعر وغيرت شروطه أما التعبير الذي يستخدمه بينيت فيقترح منطقة تقع على الحدود نفسها.
لقد اعتدنا أن نسأل عند مواجهة نص غريب: ماذا نسمي هذا قصيدة/ خاطرة/ شذرة/ نثرا شعريا/ نصا مفتوحا/ لكن ماذا لو كانت بعض الكتابات الحديثة تتحرك أسرع من قدرتنا على تصنيفها؟
يمكن فهم اهتمام بينيت بمفهوم التجريب؛ فهو يستعيد في حديثه تصورين لافتين: وليام بوروز الذي ربط التجريب بالفعل والممارسة، وجون كيج الذي رأى أن العمل التجريبي هو العمل الذي لا يمكن معرفة نتيجته مسبقا وفي الحالتين يصبح الكاتب أقل يقينا بما سيخرج من العملية التي بدأها.
ختاما:
إذا استطعنا أن نتعرف إلى الشعر بعد أن تخلى عن الوزن والقافية والشكل المألوف فهل نستطيع أن نتعرف إليه حين يتخلى حتى عن اسم القصيدة؟