جغرافيا الثقافة

قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا في حديثه عن أهمية التعاون الثقافي: «هدفنا في المملكة العربية السعودية اليوم حسب رؤية 2030 أن نكون نقطة محورية بين القارات الثلاث؛ آسيا وأوروبا وأفريقيا ولكي نكون نقطة محورية بين القارات الثلاث نحتاج أن نفهم ثقافات العالم وأهمها الثقافة الفرنسية«.
أن تكون في منتصف العالم جغرافيا يعني امتلاك موقع يفتح مسارات متعددة للاتصال والتبادل واللقاء؛ فالمطارات والموانئ والطرق تشكّل نقاط عبور تربط الشرق بالغرب وتعبر من خلالها البضائع ورؤوس الأموال والمسافرين وفي المسار نفسه تمتد جسور المعرفة واللغة والفنون والأدب والترجمة فتتحول حركة الانتقال بين القارات إلى حركة تحمل الأفكار والثقافات والتجارب الإنسانية وتدفعها إلى فضاءات أوسع.
الفهم هنا عنصر جوهري لأن العلاقة الثقافية مع العالم تقوم على إدراك أن تقديم الثقافة السعودية للآخر يرتبط بسؤال يرافقه في الاتجاه نفسه: كيف نفهم نحن الآخر؟ ماذا يقرأ؟ كيف يفكر؟ ما تاريخه؟ ما الفنون التي شكّلت وجدانه؟ كيف يرى نفسه ويرانا ويرى العالم؟ ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الترجمة والمتاحف والسينما والموسيقى والأدب والبعثات الدراسية والبرامج الثقافية المشتركة ضمن أدوات لمعرفة متبادلة تعزز التواصل الثقافي.
وفرنسا مثال واضح على ذلك فهي دولة تمتلك تاريخا ثقافيا وفنيا وفكريا طويلا والتعاون معها يمنح الطرفين مساحة للتعلم والتبادل والعمل المشترك.
وغدا قد تكون الثقافة الصينية أو الهندية أو اليابانية أو الإسبانية أو الأفريقية أو ثقافات أمريكا اللاتينية؛ فالهدف الذي يتحدث عنه سمو أكبر من معرفة ثقافة دولة بعينها، إنه بناء قدرة سعودية على قراءة العالم أجمع.
وتمتلك المملكة موارد بشرية وثقافية تمنحها قدرة واسعة على الانفتاح على الآخر وتفتح أمامها مسارات للتفاعل معه كما تمنح الآخر فرصة لاكتشاف تنوعها الثقافي وإرثها التاريخي ومع هذا التفاعل تتسع دائرة التعارف ويزداد حضور الثقافة السعودية في فضاءات العالم ويجد الزائر أو المتلقي ما يجعله قريبا من هذا التنوع وما يحمله من قيم وتجارب.
وهكذا يتشكل معنى أن تكون المملكة نقطة التقاء؛ فالموقع يفتح الطرق والثقافة تفتح الآفاق والإنسان يصنع الجسر الذي يعبر من خلاله العالم ومع كل خطوة في هذا الاتجاه تتسع دائرة الفهم ويتقدم حضور المملكة في فضاءات المعرفة والتواصل ويقترب العالم من تنوعها وإرثها وتجربتها وعندما تجتمع الجغرافيا والرؤية والقدرة على فهم الثقافات يصبح اللقاء العالمي ممكنا ويصبح المستقبل مساحة تتقاطع فيها الطرق والأفكار وتتحرك فيها المملكة بثقة نحو دور يضيف إلى العالم ويستقبل منه. في رحلة لا تنتهي من التعارف والتبادل والانفتاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *