وما أنكرك بسوء

كنت اقرأ في كتاب إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس وأورد المؤلف خبرا عن رجلين تقابلا في السوق فقال الأول للثاني: أتعرفني؟ فقال الثاني: وما أنكرك بسوء.

فتوقفت عند جمال الخطاب وروعة الجواب، وما أحلى هذه الواو العجيبة التي قالها الثاني

في مثل هذا السياق وهو أسلوب بلاغي دقيق ومعروف في أساليب الحوار والتخاطب عند العرب وله عدة وجوه لغوية وبلاغية فمنها التلطف والأدب في رد السؤال ومعنى الجواب: ليس جهلي بك أو عدم تثبتي منك لشيء تكرهه أو لأمر شائن، وإنما لقلة المعرفة ومفاجأة اللقاء فحسب، والأمر الآخر: دخول الواو هنا يرفع توهم القطيعة أو الجفاء؛ فلو قال ما أنكرك ابتداء لكان نفيا جافا مجردا أما بالواو فيبدو الجواب كأنه تعقيب لطيف وممتد لما وقر في النفس من تقدير للطرف الآخر وإشعار الأنس به، والأمر الثالث عندما سأله أتعرفني؟ لم يجب بلا الصريحة لأن الجواب المباشر بالنفي قد يحمل جفاء في المحاورة فجاءت الواو عاطفة على كلام مضمر في النفس يفهم من السياق وتقديره: قد رأيتك ومثلتَ أمامي وما أنكرك بسوء؛ فالواو هنا واو استئنافية/ رابطة تفيد استرسال الحديث وتلطيف الجواب وربطه بالمقام القائم بين المتكلمين.

وهذا كثير في الأدب العربي فيروى أن أحد الخلفاء دخل السوق ورأى بائعا في يده ثوب فقال له: أتبيع هذا الثوب، فقال البائع: لا، وعافك الله، فقال الخليفة ما أجمل هذه الواو، ثم قال الأديب والوزير الصاحب بن عباد حين ذكرت له هذه القصة: والله لهذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود الملاح، يقصد تجاعيد الشعر الحسنة التي تشبه حرف الواو على الوجوه.

وقريب من هذا ما روي عن المأمون حينما كبر وكان الخليفة، فسأل وزيره الحسن بن سهل وكان بيده مساويك: ما هذه؟ فقال الحسن: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين. كراهية أن يواجه الخليفة بلفظ المساوئ.

ومن أجمل هذه القصص أن أحد مؤدبين أولاد الخلفاء قال للصبي إذا سألك الخليفة في أي سورة أنت فقل في السورة التي تلي النازعات، كراهية أن يواجه الخليفة بلفظ مشتق من التقطيب والعبوس (سورة عبس).

والشواهد في هذا الباب كثيرة وأكثر من أن تحصى ولكن الشاهد أن العرب لديها آداب عالية وسامقة في الخطاب والحوار وهي أصل الإتيكيت قولا واحدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *