بعد أن هدأت عاصفة السخرية من هذه القصيدة، اخترت كتابة رأيي في هذا الموضوع الجدلي، فلا أحب دائما أن أخوض مع الخائضين، ولطالما أحببتُ أن أدلي بصوتي بعد زوال الغمة، وانقشاع الفتنة.
في عام ٢٠١٥ حصل الشاعر المبدع السعودي حيدر العبدالله على بردة أمير الشعراء كما حصل قبلها على بردة شاعر عكاظ.
وفي الثالث من ديسمبر من عام ٢٠١٦ ألقى قصيدة القرى والظلال على قائد الأمة الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وحقُ لمثل حيدر أن يستمع الملوك لنشيده.
بعد الانتهاء من القصيدة كان هناك لغط كبير على مواقع التواصل بسبب الإلقاء وأسلوب الشاعر في التعامل مع موقف مثل هذا الموقف، والحقيقة أنني أميل بعض الشيء إلى الرأي الذي يقول أن الشاعر حيدر لم يوفق في طريقة الإلقاء؛ مع علمي بأن الطبيعة المكانية للأحساء بنخيلها ومزارعها ومروجها ألقت بظلالها على الشاعر، وأنهم هناك -في المجمل- يميلون للهدوء والوداعة، لا إلى الزمجرة ورفع الصوت.
كان حيدر يلقي القصيدة مقطعة، يفصّل البيت للسامعين كلمة كلمة، بيتاً بيتاً بتؤدة كبيرة، وتمهلٍ يُمّل غير المتذوق للشعر.
كان يريد أن يُفهم الناس أن الشعر ليس برفع الصوت ولا بحركة الأيدي، بل هو كما قيل ما دخل الأذن بغير إذن، وقد فعل.
مشكلة الناس أنهم حاكموا حيدر وحاكموا قصيدته بناء على صوته الرخيم، ونغمته الهادئة حتى أنهم شككوا في قصيدته الجيدة وفي شاعريته الفذة.
تأكدت ذلك الوقت أثناء هجوم بعض الناس على الشاعر وعلى قصيدته أننا أمة صوتية، نؤثر الطبل الفارغ والصوت المرتفع والطنبور الموسيقي، على الكلمة البليغة، والقصيد الفحل، والمنطق العذب.
القصيدة تحمل بين طياتها أبياتاً سيّارة، ومعانٍ شاردة كقوله يمدح الملك:
يا أبانا وحسبنا حين تُحصى
أمم اليتم أن تكون أبانا
وهذا معنىً عجيب، والبيت الذي ظلمه بإلقائه الميت:
نحن لا نسكن البيوت ففينا
ملكٌ في فؤاده سكنانا
وكقوله في الوطن:
وردةً نرتدي شذاها وقبراً
نشتهيه إذا الحِمام اشتهانا
وعندي أن هذه القصيدة ليست من خيار شعره ولا من جياده؛ ولكن عمل الشاعر فيها وبصمته الخاصة وجهده، أمور جلية في البناء الداخلي للقصيدة.
وربما أسمي هذه القصيدة، القصيدة المظلومة، ظلمها فاطرها ومبدعها ومنشئها.


Add a Comment