الإجهاز على القارئ
في ظل هذه العولمة وهذا العصر الرقمي والسرعة المهولة يبرز لنا سؤال يطرح نفسه بقوة: هل القارئ الآن يحتاج إلى الدقة في الصنعة والحبكة في الكتاب لكي يفوز الكاتب بإعجابه؟
أعتقد أن الجواب لا، فالقارئ (غالبا) أصبح يحب المختصرات، ويحب المجاميع، ويحب الكناشات، وربما ولّى زمن القارئ صعب المراس الذي لابد أن تجهز عليه، وتصرعه أرضا، لقد اضمحل وخاس في الأرض.
لم يعد القارئ يحب أن يفكك الأفكار، وأن يغوص في أعماق المعاني، بل أصبح يرضيه أن يأكل عشاء أمس، ويفطر من غداء الليلة الفائتة وكأن شيئاً لم يكن.
أصبح القارئ لدينا سطحياً يحب القشور ولا يحب اللب، وتعجبه المظاهر لا المخابر، وأصبحت الكتب صوراً تباع في الأسواق.
وساعد على هذه السطحية دور النشر بطباعتهم للكتب السخيفة الخاوية التي تتصدر أرقام المبيعات وتوضع في رف “الأكثر مبيعاً” القارئ لم يعد صيداً صعباً يحتاج منا الانزواء عنه، والتربص به، ومصاولته ومجاولته وجندلته، بل يكفيه قبضٌ من الريح تثره على وجهه فيخر مغشيا عليه كأن لم يكن قارئاً.
ذهبت المماحكات الأدبية، والنزالات النقدية، والكر والفر ولم يعد باقياً سوى التزلف والترفق أو النقد الناعم الذي لا يُصلح شيئاً ولا يقوّم معوجا.
لم يعد المؤلف محتاجاً لقلمٍ أشبه بالسيف قاطع، بل يكفيه أن يكون قلمه شفرة حلاقة ناعمة لا تخدش ولا تؤثر على البشرة، وتحتاج للقليل من الرغوة كي تسهل عملية حلاقة الفكر العربي.


Add a Comment