في أي مدينة أزورها أحاول أن أذهب إلى أكبر أو أهم مكتبة فيها.
هذه المرة كانت المكتبة معروفة في منطقتها ولها عدة
فروع في نفس المدينة إلا إني ذهبت إلى الفرع الرئيسي
الذي هو عبارة عن ثلاثة أدوار.
دخلت وسألت عن قسم الشعر فقال لي الموظف إنه آخر
قسم في المكتبة تجده في الزاوية على اليسار.
ذهبت وإذا قسم الشعر لا يلوي على أحد والمكيف
مغلق وذقون وشوارب الشعراء تعلوها الغبار.
حينما أتيت فرحوا بي ورأيتهم ينظرون لي من على
أغلفة دواوينهم وكأنهم أسرى وهم لفيف مختلط، الحديث مع القديم والعربي مع الأجنبي دون ترتيب واضح كبقية أقسام المكتبة كما شاهدتها.
الشهاب المنصوري بجانب خليل حاوي وخمسون
عاما من الشعر البريطاني بجانب يحيى بن حكم الغزال
وفدوى طوقان هناك تسامر البابطين ويا قلب لا تحزن.
والشعراء جلوس على الرفوف كأنهم أمام بيت الخليفة فستجد محمد عبدالقادر فقيه وفوزي معلوف ورشيد مجيد وخلق كثير في كظيظ من الزحام وقد رحم الله ورأف بمن لم يحضر
من أمثال حافظ إبراهيم والفرزدق وفرناندو بيسوا
وعبدالله بن خميس وغيرهم.
العجيب أن الإهمال وصل إلى أن كتب الطب دخلت
على رف الشعر، فوجدت كتابا بعنوان: كيف نموت؟
وبخط تحته صغير:
-الموت اختناقا
-انلفلونزا الطيور
-الأيدز
-السحر الأسود
ودخل الحابل في النابل ويا عين هلي صافي الدمع هليه.
تمالكت نفسي ووقفت خطيبا أمام أساتذتي وقدواتي وأبعدت
رجلي عن شروح ديوان المتنبي المكومة على الأرض
وقلت بصوت خفيض: يا زملاء المهنة ويا أمناء الحرف
ويا حاملي لواء الكلمة إن القوم قد سبقونا “قوم الرواية”
وهم على خيل دهم وبقينا نحن على حمر دبرة فكأني
بهم وهم يقولون على صوت واحد:
إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم!


Add a Comment