تكون قوياً حينما تعرف أنك ضعيف، وضعيف جداً وهذا تناقض، فما دخل قوتي بمعرفتي لضعفي؟حينما يُدرك المرء ضعفه فإنه يحترم ذاته ويعرف حدودها، ومعرفة حدودك وإمكانياتك بشكلها الحقيقي هو قوة ضاربة.
لا توجد قلوب قاسية على الدوام، فهذا استالين حينما ماتت زوجته قال: كانت دائما ترقق قلبي الذي كان أقسى من الحجر، بمعنى أن استالين الطاغية كان يرق قلبه مرات عديدة.
لتكون قوياً عليك بثلاثة أمور:
(إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) لابد أن تمارس كامل ضعفك أمام الله، وتنكسر عنده؛ فالانكسار عند الله استقامة.
الأمر الثاني: ولابد من شكوى إلى ذي مروءة، أي لابد لك من اتصال بشري مع أحد من الخلق لتفرغ عنده بعضا من همومك وأحزانك فالحزن ثقيلٌ علىواحد، خفيفٌ على اثنين.
وأما بالنسبة لكيفية اختيار الصديق فهي: أول صفات الصديق -أيدك الله- أن يكون مشاكلك في الأخلاق، وأن يكون مثلك أو أعلى منك ديناً؛ لكي يكون مرآتك، ويكون كعود الثقاف يعدّل ما اعوّج منك، وأن يكون كريما عفيفا شهما؛ لأن من يكن كريما فلا يمنّ عليك، والعفة توجب التحفظ عن المحارم، والشهامة قائدة لكل خير.
واطلب صديقا متجددا في المعارف، متقلبا في رياض العلم، فالجاهل عدو نفسه، وعدو صديقه.
وأخيراً إذا لم تجد من هذه صفاته وعلاماته، فكن أنت ذاك الصديق، فلعلك تكون صديقاً لأحدهم.
الأمر الثالث لكي تكون قوياً: لابد من احتراف أي موهبة تفرغ فيها هذا الحزن، إما بالكتابة أو التأليف أو التمثيل أو الرسم أو الرقص أو السفر، المهم أن تشعر في لحظة من اللحظات أنك انعتقت عن العالم من خلال هذه البؤرة، بؤرة الإبداع.
كما قلت أنا في مقالي الآيكيدو اللفظي:
تأتيني أسئلة كثيرة عن سبب حزني الطاغي في العديد من كتاباتي، ولماذا الحزن هو قطعة كبيرة مبثوثة في كتبي؟ فيكون الجواب: إن الحزن ربما يكون هو دافعي في الكتابة، وإني مع الأيام أجدت فن الآيكيدو اللفظي.
الآيكيدو هي لعبة قتال يابانية تعتمد على استخدام قوة الخصم، أو بالأحرى عدوانه ورغبته في إلحاق الضرر للحد من اعتدائه، وهذا الذي أفعله مع الحزن فإني أحاول أن أحد من أضراره علي: بالاشتغال بالكتابة والتأليف والانغماس أكثر في الفعل الكتابي؛ فالحزن ليس شيئا طارئا أو غريبا على الأدباء فهم يعرفون ذلك من القدم فقد قال يعقوب الكندي: (أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب، ولا يسلم منهما إنسان؛ لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد)؛ ولذلك الأديب يحزن للفقد أو فوت المطلوب مرتين، مرة من جهة أنه إنسان، والثانية كونه أديبا، كما قيل في إحصائيات الحرب أنها مخطئة تماما: فكل رصاصة تقتل إثنين.
والبعض يرى أن هناك عدة أسباب للحزن لدى المبدع أو الأديب المعاصر منها: (المعرفة وقد يبدو غريبًا أن تكون المعرفة مصدرًا للحزن؛ لكنَّ شيئًا من التأمل يجعلنا ندرك كيف أنَّ بُعدًا من أبعاده يرتبط بقضية المعرفة ارتباطًا وثيقًا، وهناك من يرى أنَّ الحزن أحد العوامل التي تحرِّض على الإبداع فالقصائد لا تولد من تحقيق ورضا؛ وإنما تولد من الحزن والإخفاق والبحث الذي لا يُغني).
إذا طبّقت هذه الأمور الثلاث أضمن لك أن تكون قوياً (أمام أعين الناس).


Add a Comment