default post featured image

عرض العمر

إن الأثر الحسن الذي يتركه المرء في حياته لا يحتاج إلى عمرٍ طويل، ولا يحتاج إلى خضرمة، بل الأثر يطلب نفسٍ وثابة، وروحٍ حرة، وموهبة فذة. 

وما إبراهيم طوقان عنا ببعيد، إذ ولد في فلسطين عام 1905م وتوفي عام 1941م وهو ابن ستة وثلاثين عاما فقط، وماذا ترك؟ لقد ترك لنا إرثا ثقافيا وشعريا وأدبيا خالدا حتى الآن ويكفي أن من تلامذته: عبدالرحيم محمود، وعمر أبي ريشة، وابراهيم ناجي.

وماذا عن ناجي العلي؟ الرسام الثائر الساخر الذي لم يجد العدو بدَّا من اغتياله بطريقة رخيصة وهو ابن تسعة وأربعين سنة فقط.

وماذا عن قائد الثورة المهدية ومؤسس الدولة السودانية المستقلة في القرن التاسع عشر محمد أحمد المهدي الذي عاش قرابة الأربعين سنة فحسب.

وقبل هؤلاء كلهم الإمام النووي صاحب التصانيف السيّارة، والكتب المختارة، والسيرة العطرة الذي فاح أريجها، وسار نسيمها في كل العصور مات وهو ابن الأربعين سنة ونيفا، ولا يمكن أن ننسى أشج بني أمية الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبدالعزيز صاحب الثمانية والثلاثين عاما.

إن العمر بالبركة وليس بالطول والتاريخ يشهد بأن أبناء العشرين قادرين على تسجيل أنفسهم في صفحة التاريخ بمداد من نور لا يُمحى ولا يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها وعلى سبيل المصادفة نذكر شاعرين اجتمعا في الخلود وقصر العمر وهما: طرفة بن العبد الجاهلي، وأبو القاسم الشابي المعاصر، فقد ماتا وهما في ريعان الشباب بعمر الخامسة والعشرين.

إن أعمار هؤلاء كانت عريضة ولم تكن طويلة، وكان ابن سينا يدعو الله بأن يهبه عمراً عريضا لا طويلاً وقد فعل.

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *