كم كتابا يجب أن تقرأ في السنة؟
يتفاخر البعض بقراءة مئة كتابٍ في السنة، وربما أكثر؛ بل إن بعضهم يعدُّ قائمةً طويلةً بالكتب المقروءة وكأنها قائمة طعام، وإذا أمعنتَ النظر وجدتَ أنّ كثيراً منها من سقط المتاع، ومن رديء القول؛ حتى ولو كانت القائمة مليئة بكتبٍ من العيار الثقيل فالعجب أكبر، والتهمة أوضح؛ فمن لوازم هذه المئة أن يقرأ كل أسبوع كتابين!!
فإذا كان يقرأ في كل شهر ثمانية كتب، فمتى وقت المراجعة، والمدارسة والاستذكار؟؟
متى يمكن للعقل أن يستوعب الوافدين (الأفكار) الجدد؟ متى تتخمر المعرفة وتصبح معتّقة؟
هل المراد هو حشد أكبر قدر من المعلومات، ثم دسَّها وحشرها في الرأس حشرا؟ أم أن طول القائمة وشكل القائمة أهم من المضمون؟
إننا بحاجة لإعادة النظر في مفهوم القراءة.
إن القراءة الفاعلة تختلف جذرياً عن الفعل القرائي الذي يمارسونه هواة صنع القوائم.
ليتهم سمعوا هنري ميلر حينما أنهى خمسة آلاف كتاب فقال:
(المرء يجب أن يكون مقلّا في القراءة، اقتصد في قراءتك قدر الإمكان، ولا تكثر قدر المستطاع.
أعرف الآن أنني لم أكن بحاجة إلى قراءة عُشر ما قرأته).
لابد أن نتعلم القراءة النوعية، وأن نختار الكتب بدقة عالية، وبمعرفة تامة؛ لأن العمر أقصر من أن يضيع في صنع قوائم طويلة جدا من الكتب الخاطئة.
وقتك ثمين، فاعرف كيف تبدده.
العقل كالمعدة فكثرة الواردات تصيبه بالتخمة والترهل والبدانة؛ ثم بعد ذلك يحتاج إلى التخفف، والحمية، وانتقاء الأفضل؛ فإذا كان هذا الحرص مع المعدة؛ فالعقل أوجب أن يُحرص عليه، وأن يتم المحافظة على سلامته، والانتقاء –بعناية- ما يمر فيه.
ولا يمكن أن نغفل قصة صبيغ بن عسل التميمي مع عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- حينما أدبَّه لخوضه في المتشابهات، فقد قيل أنه كان عنده (كتب)، أي صبيغ، وما المأمون عنا ببعيد إذ حملته الكتب المترجمة إلى القول بخلق القرآن؛ بل وامتحان الخلق بذلك.
الكَلَب داءٌ يصيب الإنسان من عضّ الكلب المسعور، فيصيبه شبه الجنون، ويلحق به حتى يموت، هذا معروف، فماذا تسمَّى عضّة الكتب؟ وما هو علاجها؟
فلا شك أن الكتب قد تفسد أكثر مما تُصلح، وتهدم أكثر مما تبني.
يقول العقاد: اقرأ لأن حياة واحدة لا تكفيني.
نحن بالكاد نتحمّل هذه الحياة الواحدة حتى نُعاقب بحياوات أخرى؛ بل واحدة كافية كافية كافية.


Add a Comment