6مارس

لا جناح لي

زارني الصديق الأستاذ/ هيثم حسين المشرف العام على منشورات رامينا في مكتبي في الرياض، وزودني مشكورا ببعض إصدارات الدار وكان من جملتها ديوان شعر لجميل داري بعنوان (لا جناح لي)، وقال لي الأستاذ هيثم: لأنك شاعر ستحب هذا الديوان، وقد صدق فلقد أحببته.

جميل يريد التخلي من حياته للرغبة الدفينة الملحة لدى أي إنسان لمعرفة قدره وهل غيابه سيشكل فارقا لمن حوله، إنها الحاجة للتقدير وكلنا ذلك الرجل:

وأحلم أن ألمّ الريح حولي
وأشعل تحتها عود الثقابِ

لأنهي ما تبقّى من حياتي
وأعرف من سيبكي في غيابي

ويذكرني بالبيت الشعبي المشهور:
ودي أموت اليوم وأعيش باكر
وأشوف من هو في حياتي فقدني

إنه يحاجج بمنطق وكأنه يقول “حبكت علي”:
على المجهول سُجّل ألف جرمٍ
لماذا يلجؤون إلى عقابي؟

الناس يضرجّون بالدماء وشاعرنا مضرج بالليل:
تركتني مضرجا بالليل
بنور فجري الكذاب
قصيدتي قد يبست
ولم تزل مؤمنة
بالرمل والسراب

ويقول في موضع آخر:
لدي فائض من الليل
لا يمحوه ألف فجرٍ

هو غامض حد الوضوح:
ما هذه الأنقاض ملء دمي
دمي حكى لي

أنا غامض حد الوضوح
وناقص حد الكمالِ

إنه نهم في تقبيل (فاها):
على كتفيها أحط طيوري
وفي راحتيها أحط الورود
وألثم فاها، ولا أرتوي
فأعيدُ، أعيدُ، أعيدْ

إنه يحب بحرقه شديدة فيقول:
حبي لها حرائق وريحُ

ويقول في موضع آخر:
دعني قريبا من يديها
كي أناولها حريقي

إنه شعلة تحترق!

إنه حنّان يحن إلى الليالي الملاح:
أين كان جنونك
نام طويلا، ولم أر محض صباحك
شفتاك لقد جفتا
وهما في الحنين أهم سلاحك

بكل أسى وتشاؤمية يبيع نفسه للأعاصير:
للأعاصير قلت مهلا خذيني
لم أقل قبلها لشيء خذيني

حينما يختل الميزان يكون الجنون هو طريق العقل:
فاض الجنون فما للعقل متكأ
إن الجنون طريقي نحو معتقدي

إنه يساعد الآخرين دون رجاء رد العطاء:
أعنتك كي أخفف عنك عبئا
وما خففتَ بعض العبء عني

لديه أسئلة كثيرة ليس لها أجوبة:
لا غابة في روحي
فلماذا هي خضراء؟
لا أرض أسير عليها
لا ماء
أتوهّم أني أصنع أشيائي
ماذا لو ضاعت مني الأشياء؟!

من مطرٍ أبيض أحلامي
فلماذا غابتي سوداء؟
يبتدئ الفجر لديّ مساء
ماذا لو يبدأ فجري دون مساء؟

غلاف الديوان

عصافيره صارت لقمة للضباب:
من لي بعصافير كانت تلوذ بقلبي
إلى أين طارت
وكيف غدت لقمة للضباب؟

مصيبة أن يكون نضالك حبر على ورق:
حبر على ورقٍ طريق نضالنا
الحبر زال وطارت الأوراقُ

في البيئة التي تختل فيها الموازين يحدث التالي:
قد كان لي جارٌ
وأسلم مرغما
قتلوا له عيساه
ثم محمده

هذا الذي
قد ضاع منه إلهه
قد راح يبحث عن سواه
ليعبده
وأنا هنا
حطمت كل معابدي
وتركت للقلب المتيم
معبده

الآخرون هم الجحيم
وجنتي
بيني وبين الآخرين
مشرده

إنه يملك سلاحا لا يعمل والأسلحة التي لا تعمل تعيق المشي، وتبطئ الحركة:
سلاحي لم يعد يجدي فتيلا
ولست بمالكٍ شيئا سواهُ

ويقول في آخر الديوان بكل حزن شفيف:
كم كنت أسكب في قيثارتي
ثقتي
واليوم قيثارتي ثارت
على ثقتي

يا سيدي الشعر
غادرني إلى جهةٍ
أخرى
فما عاد لي والله من جهةٍ

الديوان من القطع المتوسط يقع في 187 صفحة من إصدارات منشورات رامينا للنشر والتوزيع الصادر عام 2023.

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *