1ديسمبر

الشاعرة لوركا سبيتي وقراءة نقدية لديوان أعرف وجه اليأس جيدا

بعد قراءته “ذهان 4:48 في طائرة العودة إلى وطنه(كما ذكر) وكتابته عنها.. ادهشني كيف استطاع بسرد بسيط متسلسل ان يشرح لي عني..شرّحني كما يشرّح طبيب جثة لإمرأة وجدت مقتولة في “غرفة رقم صفر”! لم ينبهر بصورته المنعكسة على سطح القصائد بل تلاشى في النص..فحص جروحه وحمل ابرة وبدأ بالتقطيب.. الكتاب أصبح ملكه كأنه انا.. يعيش الحياة ذاتها يفهمها جيدا ويتشظى حين يصل غاية المعنى.
…صرت اتابع صفحته(فايسبوك) ورحت اقرأ له وافلفش في صفحته صعودا ونزولا..وببطء شديد اتأمل شريط الصور التي يستعرضها في ال story ..صور مركزة تفصيلية ثاقبة تشبه عطرا مركزا ولكنها وفي تتاليها تراها غريبة جدا في صفحة شاعر يلبس في صورة التعريف عنه لباس بلده التقليدي!!
كتب : “كل شخص يضاف الى لائحة معارفك هو رصاصة محتملة”..
واكمل :وأنا أعلم أني رصاصة محتملة في حياة أحدهم..
فرديتُ بلطافتي المعهودة: “بعض الرصاصات تحيي.. لو افترضنا بأن الموت في مطلقها طريقنا إلى الجنة “!
وطال الأخذ والرد بحوار لا يحصل الا نادرا مع بعض الأشخاص الذي لا يبالون بفتح حديث ضبابي غير مكتمل لا إطار له وبلا عنوان ولكنه حتمي وضروري في حياة مملة وقاسية.. على الرغم من انه في الغالب لا يوصل الحديث الى حقائق مشتركة..ولا حتى الى حقائق منفردة ..لأن لا شيء يظنه المتحدثان…لا شيء حقيقي الا الألم ..
يتسابق الشاعر السعودي “حاتم علي الشهري” مع أفكاره التي لا تسكن ولا تركن تظل تنكزه وتحرضه وحتى انها تستحضر كل ذاكرته بلحمها ودمها لتفتح جروحا ظن بأنها ما عادت موجودة.. ولكنها تعود على شكل سياط..تعلّم على جلده وتعلمه:
“تعلمت مؤخرا أن أسير بقدم واحدة
بدلا من الإتكاء على الناس..
العشم فيهم: خيبة أخرى..
لم يعد هناك متسع في جسدي للطعن
فبدأوا يطعنون ظلي”.
فإذاً شاعرنا مطعون من الناس ..وهذا أمر أراه طبيعيا فالناس مفطورين على الشرّ..يبيعون ثيابهم ليشتروا سيوفا ..ولكن ما أراه غريبا بأن المطعون مخذول أيضا، والخذلان يأتي من توقع لأمر لا يحدث..ولكن هل تتوقع أمرا لن يحدث أصلا؟!!
قرر حاتم المواجهة، العين بالعين والبادي اظلم ..ولكن حتى البندقية استحالت بين يديه ،يدا ثالثة:
“هناك خطر في البندقية التي في يدي..
أمدها في العراء كيد ثالثة..
يهرلون من حولي..
مساكين يخافون منها..
وأنا أخاف منهم”

الشاعرة لوركا سبيتي وهي توقع لي على ديوانها: هذيان

..الشاعر انسي الحاج افتتح كتابه “لن” بكلمة “أخاف ” وأنهاه بكلمة “الحرية”..وفي حوار كنت قد سجلته معه ..سألته مما وممن يخاف فكانت اجابته فعلا مخيفة “من كل شيء”..
من وقتها ،سؤال يصرّ عليّ: هل الشاعر كائن خائف؟ وهل الخوف هنا عكس الطمأنينة ام عكس الحب؟ وهل الكتابة هي غياب فعل الحق؟ والحق يقال دوما؟!!
كأني تحسست في مجموعة حاتم ” اعرف وجه اليأس جيدا” الكثير من الخوف..ذلك الذي يولّد الحزن ويتوالد منه او يكاد يماهيه. فالمشاعر تتألم و تؤلم بدرجة الألم التي تتعرض له فترد الصاع وتستكمل الحفر متكئة على ذاكرة جسدها الوحيد حتى في موته.
تستثير الأبواب خيال الشعراء ولغتهم ،مغلقة مقفلة او مشرّعة هي مادة دسمة للخيال، و شاعرنا يرتاب منها:
“الذين يغلقون الباب بهدوء شديد وعند خروجهم لا يعودون ابدا”!
-حاتم علي- يعرف جيدا معنى أن يُترك المرء ويُغادر ويُهمل،أن يعامل ك شبح! ما يكتبه هنا يشي به و يشير إلينا بأن نراه..ونحن نراه ونود معانقته أيضا.. ولكن نظراته مشخصة نحو الباب..كيفما نظر ينبت باب سيغادره احدهم..ربما كان طفلا متروكا مغَادَرَا, مفَارَقَا,غريبا.. مورس عليه عنف اللامبالاة التي هي أكثر أذية من الضرب(يبقى الجواب لديه)!
“كل شيء يخرج من حياتي
الأصدقاء
الحب
العائلة..
يجب أن أتعلم الرحيل..
أكثر من مرة أغادر البيت
وأجدني عند الشباك انتظرني
ألّوح لي من بعيد”.
في مجموعته “اعرف وجه اليأس جيدا” يجرد سيفَه اليأسُ والقلق يجول والحزن يتمرن على الإختباء ولكنه لا يفلح..حزن واضح بملامح وجسد وانفعالات انسان مجروح مخذول مطرود ..
“أنا قتيل الكلام والظنون السيئة
مصاب بعيار ناري من فئة الكلمة الجارحة”..
من دون أن يلحقه أحد ..يركض حاتم مسرعا حاملا اذيال الخيبة وحاله الرثة ولا شيء معه سوى حاله المثقوبة بمخرز الواقع والمشنوقة بحبل الأمل
“حبل الأمل لم يترك على الغارب
بل هو ملتف حول عنقي”
لاهثا يختفي بين الحشود ويصل الى مقصلة الحقيقة : بأنه غير مرئي بذاته..ولا حتى آلامه المزركشة ينتبه لها احد .. الستائر التي أرادوها كثيفة وكثيرة حوله صارت مفيدة الآن يستعملها حبلا طويلا مربوطا ببعضه يتسلقه نحو الغيمات مبتعدا عن الخيبات !!
“انا حامل لواء الوحدة
وهابط وادي العزلة وقرين الذاتية”.
كنت اعتقد بأن ذهان 4:48 هو “احزن” شعر قد يكتب في العصر الحديث…ولكن بعد قراءتي لشعر “حاتم علي” عرفت بأني كنت اتمرن على الحزن ولم احترفه بعد، ما زلت اعاني من مشاعر اخرى ..وأحمل ترسبات الفرح الدجال.. اود لمس الضوء والتمتع بالألم ومن ثم فليكن الإحتراق!!
يعتقد حاتم علي بأن عليه أن يتوقف عن كتابة القصائد الحزينة احتراما لمشاعر “الأمة” كما قالت مرة “فدوى طوقان” لأن الأمة بحاجة إلى مشاعر النصرة والعزة
والقوة ..وأنا سأقول لك يا صديقي أمرين: بأن الأمة لا تقرأ منذ زمن بعيد ومن وقتها صرنا نحن عتالين للحزن.. وبأننا كما قالت “آنا اخماتوفا” :” نحن من اختار هذا الحزن العميق بدلا من تلك السعادة الباهتة”!
من أين للرجل كل هذا الحزن ليكتب ما كتب.. يعيش ترفا ورفاهية حين يصطفي الحزن من بين كل المشاعر ..ترك كل شيء خلفه ،حتى الفرح الذائع الصيت ، وحَزِنَ.. أراد المعنى وارجع للحزن كل معانيه المسلوبة منه ..تبرع بوقته له يربيه يكبّره يحسه يعيشه ويشرحه ويشرّحه ويجله ويدلله ويتواطأ معه عليه.. يا له من شاعر ذكي.. حزين ذكي تخاف من براعته العصافير والأمنيات حتى أنه أخذ من فزاعة الحقل وظيفتها بوجهه المورد الحزين وتمكن منها وهي ما زالت بكامل قواها العقلية..توجته ملك الحقول وراح هو يفتك برأسه حتى نبت له “أجنحة بلاستيكية”
اردت قتل رأسك لتدفن الذاكرة.. وتتأفف؟!!
“أنا وحيد كفزاعة حقل
اخيف الآمال والأمنيات والعصافير”..
المجموعة الشعرية ” اعرف وجه اليأس جيدا” الصادرة عن دار “الوتر السابع” .تستحق فعلا القراءة والتأمل ..

 

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *