لقد جربت كثير من لذائذ الحياة مثل السفر والأكل الطيب والماء البارد والمغامرات الجريئة
ومحادثة الأصحاب والجلوس مع كبار السن والبدايات الوردية والسفر لمقابلة المحبوب ولكن لم أجد لذة تعادل لذة أن يُعجب قارئ بكتاب لي.
لازالت هذه اللذة تتجدد وكأنها أول مرة تحصل لي.
والقارئ هو القارئ سواء كان من بغداد أو من ستوكهولم أو من تشيناي أو تيرانا.
أن تكتب كتابا ويؤثر في إنسان من لحم ودم ومشاعر، أنت تعلم هنا أنك وصلت الغاية وأنك أصبحت تمر من خلال سجوف الحنايا.
وهذه اللذة لا تشترى ولا يمكن تزييفها لأنه لا يمكنك أن تفرض على ذائقة القارئ كتابا لم يعجبه أصلا.
لقد منّ الله على كتبي بالترجمة ولذلك وصلت إلى أصقاع العالم، ووصلتني ردود أفعال القراء، فمرة
قارئ سويدي يقرأ قصيدة لي في نادي قراءة في
ستوكهولم، وامرأة تبكي فقد أمها في البرازيل وتقول
أن ديواني ساعدها على التخطي، وفي احتفال
في ألبانيا يقول المترجم أنه يجب على كل ألباني
اقتناء الكتاب.
إني أسوق هذه الأمثلة لتجدد لذتها عندي كل مرة.
فكل قراءة فاحصة لكتبي ايجابا أو سلبا تزيد يقيني بأن الكتابة لا تذهب هباء، وأن الكلمات إذا خرجت صادقة وجدت طريقها إلى قلب يشبهها مهما ابتعد المكان واختلفت اللغة.
ولعل أعجب ما في الأمر أني حينما أكتب أكون وحيدا تماما لا أفكر إلا في تجويد الفكرة، ثم بعد ذلك يمضي
الكتاب في شأنه في اجراءات النشر ليصل لذلك القارئ
ثم تُوجد ألفة بين غرباء لم ألتقي بهم قط ويكون
الحرف جسرا بين عالمين، ولا أزعم أن كل من تلقف
كتبي كال لها المديح، فقد سمعت كثيرا من القدح
من قبيل: هذا موت أسود، ورائحة الموت تفوح منه،
وهل أنت حانوتي….إلخ.
لكنني أؤمن بموت المؤلف بعد نشره للكتاب ليصبح
النص حمّال أوجه، ومفتوح للتأويلات والتفسيرات.
وربما أسوأ سؤال يردني: ماذا كنت تقصد في كذا
أو ما مناسبة كذا؟
لا أحب التعليل…إنني أترك الحكم والتفسير للمتلقي
فأنا قد مت من زمان….كمؤلف بعد النشر.
وباختصار: ما أجمل لذة الوصول.