بعد طول هذه السنين ومعاركة الأيام اكتشفت أن أصعب سؤال تسأله للإنسان: هو من أنت؟
سؤال صعب: سؤال في ظاهرة سهل وفي باطنه أعباء السنين.
من أنت؟
هل أنت وظيفتك؟ موهبتك/ تربيتك/ تجاربك؟
إنه سؤال ينطوي على كثير من الفخاخ والخنادق.
مسكين من يجاوب بسرعة ليعرّف عن نفسه بأنه المنصب الفلاني وبأنه صاحب الشهادة الفلانية.
هذه كلها عارية والسؤال الحقيقي من أنت في جوهرك؟
لقد تعودتَ على لبس الكثير من الأقنعة التي هي لست أنت، وإنما هي رتوش عليك.
هل أنت نفس الشخص في الظلام وفي النور؟
هل ثبتت مبادئك أمام كل المتغيرات والمغريات؟
هل هي ثابتة لأنها جامدة أم مرنة؟
هل كانت ذاتية المصدر أم أنها كانت نتيجة التربية والمدرسة والمجتمع؟
هل كانت لك لمستك الخاصة في صنع مبادئك
أم أنها مبادئك ولكنها من صنع الآخرين؟
حينما لا يراك أحد وتكون بعيد عن الرقابة
هل أنت نفس الشخص وترتدي مبادئك وأخلاقك؟
لو أخبروك أنك معفي من كل القوانين وألا طائل عليك
ولا ضغط من أي قانوي أرضي أو سماوي
هل ستبقى متمسك بما أنت عليه أم أن الثواب والعقاب
يحركان بوصلتك؟
هل اختبرت نفسك في ظرف يسمح لك بأن تكون انتهازيا/شريرا/ ثم اخترت الخير أم أنك لم تختبر بعد؟
كم فكرة تدافع عنها لأنها صحيحة وكم فكرة تدافع عنها لأنها فكرتك؟
لو ولدت في بيت آخر ومدينة أخرى ودين آخر وثقافة أخرى…هل كنت ستؤمن بما تؤمن به الآن؟
هل قناعاتك صدفة مكانية أم فعلا ثوابت راسخة؟
كم نسخة منك تعيش في هذا العالم؟
نسخة الظلام والنور ونسخة أمام العائلة ونسخة للأصدقاء ونسخة للعمل..كم نسخة لديك؟
فرويد يعرّفك من خلال اللاوعي والأحلام وأدلر من خلال سعيك للتفوق وتعويض النقص وبافلوف من خلال استجاباتك الشرطية…
لكن قل لي: من أنت عندما تسقط كل هذه التعريفات؟
إذا كانت ذاكرتك تعيد كتابة الماضي وعقلك يعيد تفسير الحاضر وخيالك يتوهم رسم المستقبل…فعلى أي أساس تبني يقينك بأنك تعرف نفسك؟
ويبقى السؤال الأصعب: من أنت؟
من أنت؟
#حاتم_الشهري #قبضٌ_من_الريح #مقال #مقالات #مقالات_عربية #من_أنت