هناك سردية تتكرر كثيرا في المسلسلات والأفلام الأمريكية وهي إعادة تعريفهم للعائلة وتقديمهم لأنماط جديدة لشكل ونوع العائلة مثل العائلة غير المتماسكة ووجود علاقات ودية بعد الطلاق والسكن تحت سقف واحد رغم الطلاق، والعائلة البديلة (الأصدقاء بدل الأسرة) والأمر الأخير هو تقديم الطلاق كأنموذج دايم وكأنه الأصل.
كل هذه الأنماط يتم تكثيفها بشكل كبير حتى تظن أن هذا هو الحال والأصل وأن غير ذلك هو المخالف أو غير المألوف.
حينما أقول سردية فالمقصد أنها “إطار تمثيلي متكرر في الإنتاج الدرامي يعيد تقديم نموذج معين للعلاقات الأسرية ويؤثر في إدراك الجمهور لما يعد طبيعيا داخل مؤسسة العائلة”.
لا يمكنني إحسان النية لاسيما مع تكرار هذه الأنماط بشكل يجعلني أقول بكل ارتياح أن هذه موجة سميّة يريدون بثها لنا بشكل فج ويبدو أننا بشكل أو بآخر تلقينا هذه السردية وجعلناها تتمركز في العقل اللاوعي لتكون من ضمن التصورات والخيارات لدينا حتى أصبحت شبه مألوفة؛ لأنه إذا نظرنا إلى تاريخ الدراما الأمريكية سنجد تحولات واضحة في صورة العائلة، ففي خمسينيات القرن الماضي: نموذج العائلة النووية المستقرة كما في Leave It to Beaver ثم أواخر الثمانينيات والتسعينيات: صعود العائلة المفككة أو غير التقليدية مثل Friends (الأصدقاء كعائلة بديلة)، ووصولا للألفية الجديدة: تنويع واسع لأشكال العائلة كما في Modern Family، وهذا يدل على وجود تحول تمثيلي حقيقي ولا يمكن اعتباره مجرد حالات فردية أو اختيارات منتج أو مخرج.
ليقودنا هذا لسؤال: كيف يؤثر التمثيل المتكرر في إعادة ترتيب سلم الطبيعي والممكن والمقبول داخل المخيال الاجتماعي؟
إن الدراما الأمريكية لأجل هذا الموضوع وغيره من الموضوعات تعمل بعدة آليات: أولها: التطبيع أي ما يعرض كثيرا يفقد غرابته، ثم إزاحة المركز أي أن النموذج التقليدي يتحول من المعيار إلى خيار ضمن خيارات ليصلون إلى الآلية الأخيرة وهي توسيع أفق الممكن أي: ما كان مستبعدا يصبح متخيلا ثم محتملا ثم مألوفا.
ويمكن فهم الآلية الأولى -أي التطبيع- في ضوء نظرية الغرس الثقافي “نظرية الغرس الثقافي” التي ترى أن التعرض المستمر للأنماط الإعلامية يعمل عبر الزمن على بناء تصورات تدريجية حول ما يعد طبيعيا وممكنا داخل المجتمع من خلال تأثير تراكمي طويل الأمد في وعي الأفراد.
وعليه فإن إعادة عرض وتكرار أنماط محددة “مشوهة” للعائلة بصورة متكررة تؤصل لمحو معنى العائلة التقليدية السليمة وحدودها ووظائفها داخل إدراك المتلقي.
أخطر ما في السرديات المتكررة أنها تتحرك في الخلفية حتى تعيد ترتيب ما نراه جزءا من الواقع اليومي ومع الوقت نميل إلى التعامل مع هذا التصور وكأنه نابع من داخلنا لا نتيجة تراكم تأثيرات خارجية.