15يونيو

قصيدة سعيدة

لم أكد اخرج من الصدمة الجمالية التي خلّفتها في عقلي الشاعرة صبا قاسم إلا وأتى ابن جلدتها الشاعر عادل محمود ليكمل المسيرة الجمالية في كتابه (الموت أقدم عاصمة في التاريخ) إذ يقول في الصفحات الأولى في الكتاب متحدثا عن الشاعرة جمانة مصطفى: جمانة استطاعت الخروج منذ أول حرف كتبته من خراب الشاعرات الآسفات على غرامٍ زائل، أو حلم خائب، أو شباب غارب، فأهدتني كتابها الجديد (اعتدت ألا يراني أحد) تقول من قصيدة:
(أريد أن أكتب قصيدة سعيدة، وأريدها عنك على العالم أن يستريح الآن
أن يجلس على ركبتي لأقرأ له
لن أعتني بالنص، سأعتني بالصدق
مثلا سأقول أني انتظرك ولم تنتظرني، وأن كبريائي بخير سأحدث النساء والأطفال عنك
سيضحكون، سيكون، ثم سيبتسمون…
ساحرص في النهاية أن أراهم يبتسمون لأنها قصيدة سعيدة عن الحب..)
استوقفتني هذه اللفتة النقدية وجعلتني أتساءل متى آخر قصيدة سعيدة عن الحب كتبتها؟
متى تكلمتُ بصدق وكان كبريائي بخير مثل كبرياء جمانة؟
هل انعدمت الشفافية بيننا فلبسنا بردة الله التي لا ينازعه فيها أحد؟
أتخيل أن جمانة خرجت من عباءة الشاعرات الآسفات؛ لأنها متصالحة مع ذاتها، ولا تعاني من نقص حاد إذا رأت نفسها في المرآة كما يحدث معنا.
إن الذي يستطيع أن يكتب قصيدة سعيدة عن الحب (انتظرك ولم تنتظرني) عملة نادرة، عملة يجب أن  تُحنّط وتوضع في متحف للأجيال الكتابية التي غصّت كتابتهم بـ (كانت بين يديَّ أشياء كنت أقدس وجودها  بشكلٍ فظيع، لكنه الله حين عزّ عليه أمر خيبتي..أبدلني  بالتي هي أصدق وأبقى، ورضيت، رضيت يا مولى  الضعفاء رضيت) وأيضا: (كانوا لا يستحقونك  فأبعدهم الله عنك) ولماذا لا تقول إن الله صرفك عنهم لأنك لا  تستحقهم، لماذا الخير معك، والشر مع غيرك؟ ولماذا لا يكون الله أبعدهم عنك لأنك لستَ خيَّرا بما  يكفي لتمكث معهم؟
هذه عبارات تمجّد (الأنا) وتقدسها تقديسا هو أقرب للعبادة. لا تظن أنك ابن النور وإنما أنت ابن الطين.
أنسيت القصور الذاتي حتى تعتقد أنك الأصلح والأمثل؟ العوج الذي خُلق منه غيرك، خلقت منه أنت، والدوافع التي لديه نفس الدوافع التي لديك مع اختلاف بسيط في النوعية، فلماذا تجرّ بردة الكِبر؟ شكرا للشاعرة جمانة مصطفى التي أخبرتنا أننا نستطيع أن نكتب قصائد سعيدة عن الحب دون أن يُخدش كبريائنا.
شكرا لكل من يأخذ بأيدينا لينزلنا من بروجنا العاجية بكل هدوء لنعبّر عن ذواتنا بكل شفافية.

 

 

 

تم نشر هذه المقالة في العدد الثلاثين من مجلة فرقد:
https://fargad.sa/?p=15541

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*