31يوليو

لقد توقفت عن البكاء

توقفت كثيرا عند قول الزناتي عن كريتسينه لافانت (لم تترك معاناة المرض لافانت ساعة واحدة، مما أغرقها في دوامات يأس وإحباط، ودفعها للتفكير في الانتحار مرات عدة؛ لكنها كانت تلوذ في اللحظات الأخيرة بأشعار (ريلكه) التي كانت تمنحها دفعة روحية، ومبررا قويا لمواصلة الحياة).

توقفت طويلا لأني رأيت أن قوة الحرف قد تمنع بعض الأشخاص من الانتحار، وتبقيهم على قيد الحياة..

لم أفكر بهذا أبدا، وأنا أكتب، أنه من الممكن أن حرفي يكون طوق نجاة لأحدهم، وكما أنه طوق نجاة فمن الممكن أيضا أن يكون حربة في نحر قارئ ما..

إنها مسؤولية كبيرة أن تكون مؤتمن على حيوات القراء..

وهذا دفعني إلى سؤال: مَن مِن الكتّاب حاليا نستطيع أن نقول عن كتاباته أنها طوق نجاة، هل هناك (ريلكه) آخر؟

أغلب ما نقرأه اليوم هو أدب ذاتي، وأدب حزين، أدب يدعو إلى اليأس والحزن والقنوط..إنه أدب جنائزي..

لقد سقطت راية الفرح والتفاؤل وارتفعت راية السخط والنفور..

أدب حزين، لقد نسينا الأدب الفرائحي، والأدب الساخر، وأصبح هناك الأدب السوداوي الذي يزيد من قتامة الحياة على قتامتها الأصلية..

وكأن الكتّاب نسوا أو تناسوا أن الحياة بها ألوان أخرى غير السواد؛ لكنهم يفضلون دائما تلوين كتاباتهم به..

(تتصارع داخل أعمال لافانت الشعرية والنثرية إرادتان، تسير كل واحدة عكس الأخرى، إرادة نحو عيش حياة طبيعية هادئة، في مواجهة إرادة قدرٍ يحول دون تحقيق ذلك لأسباب متصلة بالمرض والفقر، لكن لافانت كانت تنتصر دوما لإرادة الإنسان، ولإرادة الحياة والتمسك بها).

أريد كتّابا ينتصرون على الحياة على الظروف وعلى السواد المنتشر بين السطور، الإرادة الحقة والقوية ستنتصر على جميع المعوقات والظروف..

أريد أن ترتفع بارقة الأمل من جديد من أجل أن نمنح جميع الذين يعانون وميض الأمل للنهوض من جديد..

الناس الآن في هشاشة نفسية وبحاجة إلى أدب قوي وتفاؤلي يعيد إلى النفوس القوة والتفاؤل، أريد (ريلكه) آخر، وأريد (لافانت) أخرى تعلمنا كيف أن قوة الصبر والإرادة تتغلبان على الواقع التعيش..

في أحيان كثيرة ليس المهم أن تعرف إلى أين تذهب، المهم أن تعرف مع من تذهب..

إذا كان صاحبك جيدا؛ فإن كل الطرق ستصبح جيدة، وإذا كان العكس فستكون الوجهة جحيما ولو كانت الوجهة إلى القمة..

تقول لافانت من قصيدة لها:

قل لي كلمة..

وسأصنع لكَ من قلب الإسمنت وردة

كما صنعتُ من ضعفي قوةً

وكما صنعتُ مِن انتظارٍ بلا معنى

مغناطسيا يجذب ألف معنى

وأنا توقـفتُ عن البكاء

وعن انتظار المعجزات

لقد توقفت لافانت عن البكاء، فتوقف أنت بدورك عن البكاء، وقم فلك في الحياة دور يجب أن تقوم به..

تم نشر هذه المقالة في العدد السادس والثمانين من مجلة فرقد:
https://fargad.sa/?p=16785

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *