29مايو

لجام الصمت

من فترة لأختها تأتيني أسئلة على هيئة عتاب:

لماذا لم نسمع رأيك في القضية الفلانية؟
أين أنت عن نصرة فلان؟
ما موقفك من التصريح الأخير لفلان؟
وهلم جرا من الأسئلة التي تطالبني بقول رأيي الخاص في القضايا المستجدة، وكأن الصمت تهمة يجب أن أسوّغ له.
من المعلوم بالضرورة أني لست متحدثا رسميا لأي جهة أو فئة، ولست وزيرا للخارجية، ولا المفوض الأممي لأحد؛ ولا قناة إخبارية أو صحيفة تُعنى بالجديد والمثير من القضايا؛ فإذا عُلم هذا وسعني صمتي في مناسبات كثيرة.
إن الحديث في كل شاردة وواردة لهو ولغ وإسراف كثير في المفردات.
على المرء أن يتحلى بالكثير من الرزانة ويُمسك عليه لسانه في العديد من مواطن الإثارة.
إن النفس لتعجب بنفسها وتريد أن تدلي برأيها في كل موضوع؛ ولكن ينبغي أن يتم لجم هذه النفس بلجام التؤدة.
التسرع حليف الندامة؛ وكم من متسرع كاد أن يشعل في يديه النار بسبب ما كتبه، ولا أدل على ذلك من قضية ويل سميث وصفعه للمقدم كريس روك؛ فإن أغلب الناس وقفوا مع ويل سميث؛ ولكن زوجة ويل سميث بتصريحاتها قلبت ظهر المجن وأظهرت لؤما غير مسبوق.
وقد يظهر للمرء رأيا مخالفا للتيار السائد فلا يستطيع اظهاره لأي سبب كان، وقد تكون الأمارات والدلائل والبراهين غير متكاملة من أجل قول رأي سديد حصيف؛ فالسلامة في السكوت.
وأحيانا يكون هناك من قد كفانا مشقة الحديث، فقد تحديث بما نريد وبما نرى، فلا حاجة إلى تكرار الرأي.
إن شهوة الحديث والرأي أقوى من شهوة الجنس.
ليس شرطا أن أعلّق رايتي في كل حدث، وأن أرفع صوتي في كل نازلة، وأحيانا الصمت لوحدها يعتبر رأيا وموقفا أيضا.
ولو افترضنا جدلا أن لي رأي في كل قضية، فإني لن أسلم من الاعتراضات والانتقادات، ومن أسئلة: لماذا/ أين/ ربما/ وهل وغيرها..
أن ألام على السكوت أحب إليّ من أن ألام على الكلام.
الكل يتكلم ولم يعد أحد يصمت حتى أننا نسينا فضل الصمت.
أين من كنا نقول فيه:
هو صامتٌ لكنّه في صمته…أقوى وأبلغ منه في إعرابه
قال النووي: وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله قال: الصمت بسلامة وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال.
المشكلة الحقيقية هي أن الكل معجب بأفكاره ويرى أن أفكاره تستحق الانتشار.
فعلا: الصمت حكمة.
بين الصمت علامة رضا وبين عنوان التخلي تتأرجح الحقيقة.
تم نشر هذه المقالة في مجلة فرقد الإبداعية:
https://fargad.sa/?p=14860

    شارك التدوينة !

    عن Hatem Ali

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *