4يوليو

لصوص النار قصة العبقرية

كتاب لصوص النار قصة العبقرية لعبدالرحمن أسامة سفر.

عبدالرحمن سفر مؤلف سعودي.
لقد كان لقاء رائعا ذلك الذي جمعني بالمؤلف والذي شدني كثيرا لقراءة كتابه.
قصة عنوان الكتاب مدخل مثير لعالم العبقرية.
إنه يشرح بالتفصيل لماذا (لصوص النار)..
إنه يجذبك بقوة للاستمرار والولوج إلى هذا عالم العبقرية.
اخلع نعليك قبل قراءة الكتاب إنه وادٍ مقدس.
صاحب هذا الكتاب يملك سوط التجديد وهو يلسع بهذا السوط في كل صفحة وما إن تنتهي من الكتاب ستجد أن جسم المعرفة قد تورم من كثرة اللسع.
إنه أشبه بالبلدوزر الذي لا يبقي ولا يذر.
لا يعطيك فرصة لأن تعترض؛ بل إنه يتحدى بأن تعترض على جملة واحدة في الكتاب.
هذا الكتاب يحتفي بالفضول ويحاول أن يعزز الخروج من منطقة الراحة..
إنه يجرك إلى الدهشة جرا؛ لكنه يقر وبقوة أن العالم والكون والحياة ليس فيهما عدالة، وأن هناك عدم تساوٍ في الفرص، وليس كل من زرع حصد، وليس كل من سهر سيصل “للعلا”.
يحاول المؤلف أن يوضح صورة العبقري على هيئته الطبيعية دون تهوين أو تقديس.
يقول بأنهم ليسوا آلهة ولا أبناء آلهة كما أنهم ليسوا
أبناء الجن أو عبقريتهم لا تنتمي إلى الميتافيزقيا، ولكنهم بشر وعبقريتهم نابعة من أنفسهم.
الكتاب ملهم جدا ويخبرك حقائق وليست مجرد آراء جامدة..
اقرأ ما قاله عن أثر البيئة والحالة الاجتماعية للأسرة (الهموم التي تأتي مع الفقر تعيق الوظائف الإدراكية، وتستهلك جميع القدرات العقلية فلا يتبقى إلا القليل منها للمهام الأخرى).
إنه ينكر وجود الإلهام أو ضربة الحظ التي تقود إلى أي اكتشاف ما؛ لكنه يؤمن أن الشيء يأتي بالتدريج.
الفكرة لابد أن تمر بعدة مراحل حتى تنضج وتكتمل ليمكن ترجمتها على أرض الواقع.
على صعيد آخر يحذر من الإعتماد على الذاكرة؛ لأن وقائع الحياة تحدث مرة واحدة، وأما ما نتذكره فهو لا يحاكي الواقع الذي حدث أو يوثقه.
الذاكرة ليست شريط تسجيل يؤتمن لتسجيله، نعم هو يسجل كل شيء بدقة ولكن المسجل مع تقدم
السن يتعطل ولا يتحفظ بالنسخ الأصلية للتسجيل.
أنت تملك نسخة ردئية لأحداث الماضي.
إن كل عظيم يقف على أكتاف عظيم آخر حتى لو نسي ذلك (أو رفض الإقرار بذلك) فالتراكم المعرفي مهم ولا غنى عنه في أي تطور لفكرة مهمة.
المؤلف يرى أن الفضول أهم من الذكاء والإصرار والحكمة.
هو لا يقلل من شأن هذه الأمور الثلاثة لكن بدون الفضول لن تؤدي هذه الأمور إلى شيء يذكر على حسب زعمه.
ويقول في التربية أن هناك فرقا بين العذاب الجسدي والعذاب النفسي حيث أن الجسد يتعافى ولكن النفس تظل معطوبة ويفقد المرء السكينة الداخلية وبصرف النظر عن السن فإن تلك المعاناة ترافقنا في حياتنا، وبينما ينجو القليل من آثارها فإنها تترسب لدى الكثير.
وتأكيدا على هذا يقول الفيلسوف إرنتس بيكر في معرض حديثه عن الكآبة: الأشخاص الذي عانوا تجارب سيئة في مقتبل حياتهم ينتهي بهم الحال إلى أن يعيشوا حياتهم مليئة بالقلق من الموت، فإذا كانت مكونات شخصيتك بائسة أو كانت لديك تجارب سلبية سابقة فمن المتوقع أنك ستصبح متشائما.
هذا الكتاب يؤكد مرارا وتكرارا أن المرء لا يولد شغوفا أو يمنح هبة وقت ولادته.
لا شيء بخبطة سحرية لأن نداء العباقرة مكتسب ولا يولد مع المرء.
(الفضول والتوجيه العائلي المكثف هما اللبنة الرئيسية في خلق العبقري).
النجاح يولد النجاح والشغف يولد الشغف الطريق إلى الشغف طويل ووعصر وصعب.
وأعجبني جدا تعريف المصادفة عند فرويد (المصادفات هي نتيجة رغبات وصراعات مكبوتة)..
يقول أن الشغف لا يرتبط بالنشوة بل يعتمد اعتماد كلي على الصبر.
فهو ليس إحساسا جميلا بل هو القدرة على التحمل ومصدر كلمة الشغف في اللاتينة هو أن تعاني.
في الفصل الأخير (عاقبة الشغف) ذكرني هذا الفصل بكتاب (كتّاب مشردون) وليت المؤلف اطلع على هذا الكتاب ليفيد منه بشكل أكبر.
في خاتمة الكتاب يذكر المؤلف أنه أمضى أكثر من عشرة سنوات لكتابة هذا الكتاب وهو بهذا يطبق عمليا مع ذكره في أثناء الكتاب.
الحقيقة أن الكتاب كان متنفسا ليس في الأيام الماضية ولقد اقتبست منه الكثير، وهو تحفة جميلة تضاف إلى التحف الكتابية التي لدينا.
الكتاب مملوء بالنقولات حتى أنك تخشى أن تتعثر بأحدهم في طريقك..
كل صفحة في الكتاب لا تخلو من اسم عالم أو باحث أو أديب، وكان المؤلف يستطيع أن يتخفف من هذا العبء الثقيل الذي أكثر الصفحات فيحذف بعض النقولات التي لن تضر بجوهر الكتاب لو تم حذفها.
بلا شك أن هذه النقولات تدل على كثرة البحث والمطالعة؛ بيد أنه لا يجب دائما أن تكتب كل ما تعرف.
في كل قصة مثلا يستشهد بثلاثة أمثلة ليؤكد على الموضوع الذي يريده، وكان كافيا لو ذكر مثالا واحدا.
مع طول الكتاب أحسست وأن هناك ترهلا في جسد الكتاب، فلذلك أتمنى في الطبعة الثانية أن يصبح الكتاب ممشوق القوام
متخففا من الدهون الزائدة ليكون أصغر حجما وأقلل في عدد الصفحات..
أنا متأكد بأن الأستاذ عبدالرحمن سيخرج لنا في قادم السنين كتابا بصوته الخاص، الصوت المتفرد الذي يعكس رأيه المتفرد..
الكتاب جوقة من الأصوات، حتى كاد يضيع صوت المؤلف الخاص؛ لكن لا تثريب عليه بما أنه الكتاب الأول، وإذا كانت هذه البداية فما ظنك بما بعدها؟ بالتأكيد سيكون أجمل وأروع وأحلى.
لا يمكن لأي أحد بعد الآن يريد أن يكتب عن العبقرية ولا يقرأ هذا الكتاب..
هذا الكتاب وضع نفسه في خارطة العبقرية ولا يمكن تجاوزه على الأقل في الفترة الحالية..
أنا ممتن لصديقي عبدالرحمن السيد الذي كان جسرا لمعرفة المؤلف المبدع عبدالرحمن أسامة سفر..
وكما ذكر في الكتاب بأن العباقرة استفادوا من بعضهم البعض وكانت بينهم صلات ومراسلات، ليس بينهم رحم إلا رحم العبقرية..
أتمنى أن يكون بيننا هذه الرحم نحن الثلاثة…
الكتاب من القطع الكبير يقع في 357 صفحة من إصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون، الصادر عام 2020م.
شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*