8أكتوبر

35 سوناتا

كل شيء يحدث لسبب، اقتنعت بهذه العبارة بعدما رأيت تغريدة الأستاذة إقبال عبيد عن  هذا الكتاب.
لقد التهمت الكتاب كله في جلسة حتى رأيت الري في أظفاري..
أصبحتُ سمينا من المعاني الخفية التي خبأها بيسوا بين السطور، وتحت حراشيف الحروف.
مع هذا الكتاب تحديدا تحتاج للكثير من الصبر حتى تتنعم بملّاذه وتفريعاته السرية..
لقد فاز بإعجابي ما قاله المترجم في نهاية مقدمته حينما قال: (وأتمنى أن تترجم مرارا وتكرارا -يعني السونتات- حتى نعثر ونقبض على كل أوجه ما عناه وتقصدّه بيسوا) وهذه الدعوة هي غاية الرقي في خدمة الأدب ونصرة المعنى، وهذا هو المطلوب من الأديب الحقيقي أن يطالب دائما باستكشاف بواطن النصوص وتثوير معانيها؛ لكني وبكل صدق تفاجأت من بيسوا نفسه حينما فضّل هذه “السونتات” والأجزاء الثلاثة لقصائد إنجليزية على جميع نتاجه؛ لأن هذا تحوّلٌ عجيب، تحوّلٌ من خانة إلى خانة، من مربع الكاتب إلى مربع الناقد، وهذا يعيدنا إلى التساؤل الجدلي القديم: المعنى في بطن من؟ القارئ أم الشاعر؟ وأيضا مما يدعوني للعجب، كيف تتسللت الطمأنينة إلى روحه، أليس الطمأنينة شعورٌ غريب على المبدع؟ أليس من المفترض أن يبقى المبدع قلق حتى نهاية المشوار؛ حيث أن هذا القلق هو الذي يدفعه إلى تقديم الأفضل دائما؟ لا أجوبة فلقد رحل المخوّل للإجابة بيسوا.
الكتاب يحمل بعض الأفكار التي وجدتها في (اللاطمأنينة) وهذا ليس بغريب لأن الكتابين خرجا من مشكاةٍ واحدة، وهذا التكرار يفيد أن الكاتب مهتم بهذه الفكرة بوعي أو دون وعي مثل فكرة كلام الناس عن إبداع بيسوا بعد موته،
لقد كان يعلم أن أشعاره وكتاباته سوف تكون محور حديث الناس بعد رحيله، وقد صدق.
أيضا فكرة النثر والشعر والمقابلة التي بينهما وتفضيل أحد الفنين على الآخر، لقد توسّع هناك ولكن هنا تحدث بسطر واحدٍ فقط: (أو كمن هو ماهرٌ بالنثر، وتحوّل قسرا ليصبح شاعرا).
لتستمر جدلية الأفضيلة دون نتيجة واضحة.
لقد رأيتُ وجها مغايرا للكاتب هنا حيث يبوح بمشاعره بكل شفافية ليقول: (فكل ما في داخلي الآن يحتوي النجوم فهل تكوني من ضمن تلك النجوم الناجية؟) آه لو كنتُ امرأة لوافقت فورا على هذا العرض المغري، فمن هي تعيسة الحظ التي لا تريد أن تكون من ضمن النجوم الناجية داخل المبدع البرتغالي؟!
لقد تلمّست في قراءاتي القليلة للكتاّب من العوالم الأخرى غير عالمنا العربي، أنهم يحطّون من أقدار أنفسهم ويصفونها بأبشع الصفات، وهذه ربما هي غربة المبدعين الروحية المعروفة، فبورخيس كان يرى وجهه مرعبا، وبيسوا يقول أن وجهه خالٍ من أمارات الذكاء، ويعترف أنه لو عشق فلن يكون معشوقا، وهنا في “السونتات” يسخر من قبحه بل يؤكد على عجزه حتى في أحلامه، وهذا معناه: الموت السريري؛ لكون الأحلام هي الوقود الحقيقي لنا في هذه الحياة؛ ولقد ألمح إلى هذا المعنى حينما قال: (أحب شوقي إليك، أكثر من حبي لك) يعني أن الطريق أهم بكثر من النتيجة.
إنه حزين وسوداوي على غرار شقيقه الروحي الإيطالي بافيزي.
هما شاعران من نفس الطينة، الطينة الكئيبة وكأن مادة روحيهما السواد لا الطين.
(فلحظة الفرح يعقبها متعة ولكن بعد كل تلك المتعة ذكرى تعقبها وهكذا فنحن ندور في حلقة مفرغة) صحيح فنحن كما قيل ننتقل من لحظة حزينة إلى لحظة أخرى أحزن منها عن طريق
الفرح، فالفرح واسطة بين حزنين.
لديه بلاغة تشبه بلاغة العرب كقوله:
١-خليج الصمت فارغ من كل شيء.
٢-الفكر يولد أعمى.
٣-لا يدرك معنى اللمسة إلا من فقد البصر.
٤-فكرة جوهر الغياب ذاته تأتي من الحضور.
وهذا المعنى الأخير مشهورٌ معروف:
(غياب الشيء، يثبت وجوده).
هذه عبارة بليغة وخطر لي شطر البوصيري إذ يقول: «وشدة الظهور الخفاء» فإن شدة الظهور موجب للخفاء كسواد العين في الإنسان، فإن الإنسان لا يدرك سواد عينه لشدة قربه منه، وقال بعضهم: فعظيم القرب هو الذي غيّب عنك شهود القرب كمن يشم رائحة المسك فلا يزال يدنو وكلما دنا منها تزايد ريحها فلما دخل البيت الذي فيه المسك انقطعت رائحته عنه.
ومما لم يعجبني في الكتاب أنه مشكّل بالكامل بعلامات التشكيل وهذا مما أفقده الجمال وأضفى عليه مسحة من التكلف الزائد.
القاعدة في التشكيل هي: أشكِل ما أشكَل.
الكلمة التي قد يُظن أن تُقرأ على أكثر من وجه هي المعنية بالتشكيل وليس كل الكلمات.
وبالمجمل في الكتاب هو فتح أدبي جديد يضاف إلى الكتب التي تحمل بين طياتها آلاف المعاني الطيّارة؛ ولكن من هو الماهر الذي يصيد ويمسك هذه المعاني.
الكتاب من القطع المتوسط يقع في 84 صفحة من إصدارات دار مدارك، ترجمة أ.علي زين الصادر عام 2019م.

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*