24يوليو

رقة دين الأدباء

الأدباء في كل زمانٍ ومكان هم أرق الناس ديناً، وأقربهم إلى الظرف وإلى عدم الالتزام بالتحفظ وذلك ديدن أغلبهم إن لم يكن كلهم.

ولا نقول إن شواهد انحلالهم كثير بل نذكر المتحفظين منهم وذلك لقلة عددهم ولسهولة حصرهم وإلا فالمتساهلين منهم خلقٌ كثير لا يعلمه إلا الله.

يقولون إن من قرأ الأدب يزداد رقة، وكذلك من عشق.

فما بالك بأديب حرفته الأدب، ويعشق فقد جمع رقة على رقة.

وقد يكون أحد أسباب هذا في القديم أن مجالس الأدب  لا تخلو من كؤوسٍ تدور، وغانية تغنّي، وأمردٍ يكون  مرمى المعاني، وربما لهذا قال الإمام الشافعي:

ولولا الشعر بالعلماء يزري

لكنتُ اليوم أشعرَ من لبيدِ

وأيضا من أسباب رقة دينهم تأثرهم بالمجالس الأدبية التي تتطلب التنازلات الدينية والخلقية في بعضٍ منها، ولا يمكن استدرار المال إلا بمثل هذه المجالس.

والأدب بعادته يحتاج لبحبوحة في الأمر، واتساع في الأفق، وغض طرفٍ عن كثير من المباحات بل  المكروهات؛ لأن هذا الباب بابٌ كبير ومن توسَّع فيه ارتكب جراثم الذنوب، واحتمل الكبائر في سبيل أن يقال له أديب.

والأدباء غالباً طلّاب شهرة وكلما ازداد المرء شهرة كلما ارتفع قدره وعلا شأنه مما يقربَّه من ذوي الشأن ومن مجالسهم وكتب التاريخ مليئة بصفات هذه المجالس.

ومن شواهد أنهم طلاب الشهر أن كثيرا منهم يؤلف  الكتاب لينال حظوة عند الخليفة أو عند الأمير وهذا ثابتٌ في مقدمات كتبهم.

على أنَّا لا يمكن أن نُغفل دور الحضارة وما تجلبه من رفاهية ورغد في العيش؛ والرغد مظنة الرقة.

وما الأندلس عنا ببعيد فقد كثر المجون في ذلك الوقت بسبب الحضارة المصنوعة والمجلوبة حتى أن أبا بكر النسوي الفقيه يقول في صائغ:

وشادنٍ صائغٍ هام الفؤاد به

وحبّه في سواد القلب قد رسخا

يا ليتني كنتُ منفاخا على فمه

كيما أقبّل فاه كلما نفخا

أيتمنى المرء أن يكون منفاخا في فم صائغ؟!

وهذا الأمر ليس على اطلاقه فإنهم يروون في كتب الأدب أن مجنون ليلى قال: برئت من شفاعة محمد ﷺ إن كنت قط حللت سراويلي على محرَم، ومثله ما قاله الحسن بن هائئ (أبو نواس) حينما أدركته الوفاة قال:

 والله ما حللت سراويلي لريبة.

والله أعلم بحالهم ومآلهم.

شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*