4مارس

بي عنك

اللهجات هي المزود الحقيقي للغة الأم، وهي التي تمدها بالوقود لتبقى حية مدى الدهر. 

وكل لهجة من اللهجات فيها من الجماليات، والطرائف ما تبز به أختها؛ لكني سأتحدث عما أعرف، وبه أتكلم وهي اللهجة الجنوبية، وفي كلٍ خير.
لهجتنا جميلة وخطيرة في آنٍ واحد، فالدعوات كثيرات أكثر من ياجوج وماجوج، وبصيغ متعددة، وبأدوات مختلفة، سواء من حذف أو رمي، أو إصابة بالشلل، أو الذهاب مستعجلا للجن، ويردفون الدعوة بكلمة (إلا نعم) والمعنى: كأن قائلا يقول بعد دعوة الشخص: لا، فيرد الداعي ويقول إلا نعم، يعني بإصرار وترصد وتعمد؛ لكني لن أتكلم عن هذا الجانب المظلم بل سأتحدث عن الجانب المشرق والرومانسي في لهجتنا.
نقول: بي عنك، وبي أنا، وأخذت ضيمك، وكلها تؤدي نفس المعنى وهي: أخذت ألمك، وصُيَّرتُ مكانك، وهي المرادف لـ (جُعلت فداك)، ولا يقف الجمال هنا؛ بل كل البلاغة في الرد فيكون: مجار، أو محشوم، والمعنى: أجارك الله وحماك، ومن جميل دعواتنا: أخذت موت رجولك، ليس فقط موتك بل موت قدميك، وهذا غاية الإكرام، والإعزاز. وتجد هذه اللطافة حينما تقول الأم لابنها أو لحفيدها وهو مريض: بي عنك، فيرد طرف ثالث ويقول: إلا بي عنكم كلكم، أي أخذت أمراضكم بدلا عنكم، وهذا غاية في الرقة، وهو من أجمل التعبير عن الحب الحقيقي.
وهذا ليس حصر للكلمات بل يصح أن نقول أن هناك ثقافة تفدي عندنا مثل: (الله يطعني عنك)، و(أخذت موتك) أي: أخذ الله روحي قبلك، فأي جمالٍ، وأي روعة، وأي جُمل هذه الجُمل الآخاذة التي تأسر لبك، وتمد جسورا من الحب والوداد، كيف يمكن أن تكره من يقول: بعمري عنك؟ أو: الله يجعلني الحنش، أي: جعل الله لدغة الثعبان بي لا بك، كيف يمكن ألا يميل قلبك مع من لسانه رطبا بالتفدي في ليله ونهاره؟ إنها لهجة عذبة في حالة الرضى، وفي حالة الغضب، ستشعر بأن الكون مقلوب، وأن اللعنة الفرعونية القديمة خرجت من القمقم، وبأن ملك الموت ينتظرك عند الباب، فلذلك كن على حذر.
ولا أقول أن هذا حكرا علينا فقط؛ وأتمنى من أخواني في الأمصار كلها أن يبيّنوا لنا جمال لهجاتهم، ودقائق كلامهم؛ فعندهم ولا شك مثل الذي عندنا وأكثر، مثل أهل الشام حينا يقولون: تؤبرني، ومعناها واضح معروف؛ لكن بي هوىً وتعصب فأقول: حينما تحب أحدا قل له: بي عنك، فهي أجمل من أحبك بكثير.

  • نشر في مجلة فرقد الإبداعية التابعة للنادي الأدبي بالطائف العدد الرابع والعشرين:
    https://fargad.sa/?p=12888
شارك التدوينة !

عن Hatem Ali

2 تعليقان

  1. سافرت عبر التاريخ وانا اقرأ مفردات باللهجه الجنوبيه استمتعت جدا
    لدي تعليقان على الموضوع ، ربما يراها من يقراء متناقضه لكنها مترابطه جدا عند نقطه ما ساوضحها في نهايه الكتابه
    نعم نريد ، ثقه الانسان بثقافته و كلمات منطقته نتقبلها ونحبها ونعجب بها ، ولا نخجل منها و نكيل الاستهزاء بمن يتكلم بالهجته لام ، على سبيل المثال فقد اعطى الانسان الكويتي صوره رائعه في ذلك فهم يحبون لهجتهم ويفخرون بها بعض الكلمات ان لم تكن اغلبها من محيط بيئتهم وتاريخهم القديم ومع ذلك يستعملونها في كل وقت ولها بريق اخاذ ، وقس على ذلك كل المناطق يتميزون بلهجاتهم بل تجد من يقلدهم ويتودد اليهم بتكلم معهم بلهجتهم ، فجميل ان نقبل اختلاف لهجات مناطقنا و تفردها ونحبها ، والنقطه الثانيه ، ان اللهجات بها ما يستحسن ومنها مالا يستحسن من ناحيه المعنى فما لا يتوافق مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم نتركه وفي اللغه الام بديل عنها ان لم نجد .
    وتوضيحي هو نعم اقبل لهجتي ونعم اترك واغير مالا يتماشى مع هدي محمد صلى الله عليه وسلم .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*